الجمعة، 6 مارس 2015

ملف : الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل
إعداد : عبده حقي
خاص بالمجلة
تقديم :
المشهد الثقافي المغربي بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل كان هذا هوالعنوان الأبرز والناتئ الذي آثرنا أن نتوج به هذا الملف في راهنيته ، ولم يكن إختيارنا لهذا الملف على دسامته وخطورته وجها من أوجه الترف الإعلامي الثقافي لمجلتنا لولا هذه الزلازل التي تضرب بيتنا الثقافي من حين لآخروتهدده بالردم المعنوي الأليم على رؤوس الجميع وتهدد أيضا تراكمنا الثقافي في نقاوته من كل الشوائب والطفيليات والفطريات التي سوف تحاسبنا عليها الأجيال في المستقبل المتوسط والبعيد.
لقد أجمعت كل الآراء الواردة في هذا الملف على علة جسدنا الثقافي بالطول والعرض وفي إتجاهه العمودي كما في إتجاهه الأفقي مع طفح الأعطاب في بعض مكوناته وخصوصا ماتعلق ببعض منظمات المجتمع المدني التي تهتم أساسا بالشأن الثقافي إن على مستوى التنشيط أوالترويج أوالإبداع أوالإحتفاءات ... ولعل الرجات المؤسفة الأخيرة التي هزت الكيان الشعري بسبب سحب الشاعرمحمد بن طلحة لديوانه من جائزة الكتاب وانسحاب خمسة عشرعضوا من إتحاد كتاب المغرب وغيرها من الصدمات الكهرثقافية لخيردليل واضح ورامزعلى ما آلت إليه نرجسية وذاتية بعض المثقفين من وضاعة واندحارجعلت من الفعل الثقافي كعكة وغنيمة و"همزة" للمثقف الضفدع وليس المثقف الكادح إلى همته ومهمته النبيلة كدحا .
ومهما تعددت الملفات والمناظرات والندوات والبلاغات والردود على البلاغات ... ومهما إرتفعت ذبذبات المؤشرفي سلم الريشتر وناوش عقربه الخط الأحمرفإن ثورة الربيع الحقيقي على ضبابية الراهن الثقافي ببلادنا يجب أن تبدأ أساسا وقبل كل شيء من الثورة على النفس الأمارة بالسوء .
ويسرنا أننا على قدرإمكاناتنا الإعلامية الثقافية الرقمية حاولنا أن ننخرط في هذه اللحظة التاريخية وحاولنا قدرالمستطاع البحث عن الأجوبة الوازنة والقمينة والشافية لهذه الإشكالية العظيمة إيمانا منا بجسامة مسؤوليتنا ، ومن جانب آخريحزننا أن الكثيرمن الكتاب والمثقفين الذين عاهدونا على المشاركة في هذا الملف قد خالفوا الوعد وهذا من دون شك ملمح من بين الملامح المعيبة التي يجب على المثقفين الوقوف منها موقف النقد الذاتي والموضوعي قبل أن يشيروا بأصابع الخطيئة إلى الآخرين "والله يجيبنا فالصواب" كما قال الشاعر المناضل توفيقي بلعيد.
أخيرا لايفوتنا أن نتقدم بالشكرالخالص إلى كل الأدباء والكتاب الذين شاركوا في هذا الملف والذين اقتطعوا زمنا من عمرهم للركوب معنا في هذه السفينة وأبانوا بكل صدق وبما لايدع مجالا للشك عن غيرتهم على ثقافة وصحة وعافية الجسد الثقافي المغربي :

4 الشاعروالناقد أحمد العمراوي الخميس، 5 مارس، 2015

ونشيرإلى أن باب المشاركة مازال مفتوحا

ــــ ماهوموقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهرالفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبارلدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
للمشاركة راسلونا على أحد العناوين التالية :
موقع المجلة على النت
الهاتف 78 00 74 00 06

ملف : الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل

ملف : الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل
إعداد : عبده حقي
خاص بالمجلة
تقديم :
المشهد الثقافي المغربي بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل كان هذا هوالعنوان الأبرز والناتئ الذي آثرنا أن نتوج به هذا الملف في راهنيته ، ولم يكن إختيارنا لهذا الملف على دسامته وخطورته وجها من أوجه الترف الإعلامي الثقافي لمجلتنا لولا هذه الزلازل التي تضرب بيتنا الثقافي من حين لآخروتهدده بالردم المعنوي الأليم على رؤوس الجميع وتهدد أيضا تراكمنا الثقافي في نقاوته من كل الشوائب والطفيليات والفطريات التي سوف تحاسبنا عليها الأجيال في المستقبل المتوسط والبعيد.
لقد أجمعت كل الآراء الواردة في هذا الملف على علة جسدنا الثقافي بالطول والعرض وفي إتجاهه العمودي كما في إتجاهه الأفقي مع طفح الأعطاب في بعض مكوناته وخصوصا ماتعلق ببعض منظمات المجتمع المدني التي تهتم أساسا بالشأن الثقافي إن على مستوى التنشيط أوالترويج أوالإبداع أوالإحتفاءات ... ولعل الرجات المؤسفة الأخيرة التي هزت الكيان الشعري بسبب سحب الشاعرمحمد بن طلحة لديوانه من جائزة الكتاب وانسحاب خمسة عشرعضوا من إتحاد كتاب المغرب وغيرها من الصدمات الكهرثقافية لخيردليل واضح ورامزعلى ما آلت إليه نرجسية وذاتية بعض المثقفين من وضاعة واندحارجعلت من الفعل الثقافي كعكة وغنيمة و"همزة" للمثقف الضفدع وليس المثقف الكادح إلى همته ومهمته النبيلة كدحا .
ومهما تعددت الملفات والمناظرات والندوات والبلاغات والردود على البلاغات ... ومهما إرتفعت ذبذبات المؤشرفي سلم الريشتر وناوش عقربه الخط الأحمرفإن ثورة الربيع الحقيقي على ضبابية الراهن الثقافي ببلادنا يجب أن تبدأ أساسا وقبل كل شيء من الثورة على النفس الأمارة بالسوء .
ويسرنا أننا على قدرإمكاناتنا الإعلامية الثقافية الرقمية حاولنا أن ننخرط في هذه اللحظة التاريخية وحاولنا قدرالمستطاع البحث عن الأجوبة الوازنة والقمينة والشافية لهذه الإشكالية العظيمة إيمانا منا بجسامة مسؤوليتنا ، ومن جانب آخريحزننا أن الكثيرمن الكتاب والمثقفين الذين عاهدونا على المشاركة في هذا الملف قد خالفوا الوعد وهذا من دون شك ملمح من بين الملامح المعيبة التي يجب على المثقفين الوقوف منها موقف النقد الذاتي والموضوعي قبل أن يشيروا بأصابع الخطيئة إلى الآخرين "والله يجيبنا فالصواب" كما قال الشاعر المناضل توفيقي بلعيد.
أخيرا لايفوتنا أن نتقدم بالشكرالخالص إلى كل الأدباء والكتاب الذين شاركوا في هذا الملف والذين اقتطعوا زمنا من عمرهم للركوب معنا في هذه السفينة وأبانوا بكل صدق وبما لايدع مجالا للشك عن غيرتهم على ثقافة وصحة وعافية الجسد الثقافي المغربي :

4 الشاعروالناقد أحمد العمراوي الخميس، 5 مارس، 2015

ونشيرإلى أن باب المشاركة مازال مفتوحا

ــــ ماهوموقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهرالفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبارلدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
للمشاركة راسلونا على أحد العناوين التالية :
موقع المجلة على النت
الهاتف 78 00 74 00 06

نشر في : 2:34 م |  من طرف ABDOUHAKKI
القطاع الثقافي في السياسات الحكومية، قضية لا مشكلة :محمد أديب السلاوي
-1-
ملحوظة : نزولا عند رغبة أساتذنا الجليل محمد أديب السلاوي في المشاركة في هذا الملف الهام ندرج هذه الورقة من إقتراحه للمشاركة والتي سبق وأن نشرها من قبل وهوطريح الفراش بالمستشفى العسكري بالرباط وهذه مناسبة لكي ندعوله جميعا بالشفاء العاجل والأستاذ محمد أديب السلاوي غني عن التعريف في الحقل الثقافي المغربي وهومن قيدومي الصحافة والإعلام المغربي منذ مايناهز النصف قرن من العطاء والإصرارعلى العطاء ، يستحق بالمناسبة كل الثناء والرعاية التي خصه به جلالة الملك محمد السادس .
ستظل الأزمة الثقافية في نظر هؤلاء الباحثين قائمة تتعايش وتنمو في ظل أزمات التربية والتعليم والشغل والصحة والخبز والأمية والفقر على أكثر من صعيد، إلى أن يتم فتح أوراش فاعلة حول الثقافة
ربما يكون من الضروري في هذه الورقة التي نخصها للثقافة في السياسات الحكومية، أن نتوقف قليلا عند المفاهيم المتطورة للثقافة، وعند الأسباب التي جعلت منها الدول النامية، آلية تندمج في السياسات والبرامج والاستراتيجيات البعيدة المدى للدفع بالتنمية في مختلف المجالات والميادين المتصلة بالإنسان/ الهوية/ التاريخ/ الجغرافية، وذلك قبل أن نتطرق إلى موقع هذه الثقافة في السياسات والبرامج الحكومية بمغرب اليوم/ مغرب الألفية الثالثة، حيث أوكلت هذه السياسات القطاع الثقافي موقعا لافتا في المشهد الحكومي، باعتباره أولا يشمل العلم والتربية المعرفة والآداب والفنون والسلوك، وفق رغبات الفرد الشرعية وحقوق المجتمع القانونية حتى يتمكن كل أفراد المجتمع من نظرة متوازنة للتقدم والحضارة، من جهة، وحتى تتم الملاءمة بين مصالح الأفراد، ضمن ترقى المجتمعات، من جهة ثانية.
        واعتبارا للدور الهام الذي تلعبه الثقافة في الأمن المجتمعي، وفي التنمية الشاملة للمجتمعات كان الأمل وما يزال معقودا على هذا القطاع، العناية بالإنسان صانع التنمية، من خلال عنايته بتراثه الماضي وتراثه الحاضر، وعنايته بهويته، بفكره وإبداعه وقيمه الراهنة والمستقبلية. ذلك لأن الثقافة في مفهومها الجامع، وفي مدلولها الشامل، هي الوعاء الحضاري الذي يحفظ للأمة هويتها، ويضمن تماسكها، ويكسبها السمات الفكرية المميزة، التي تتحول إلى ركيزة وجودها، وإلى جماع فكرها وخلاصة إبداعها، والتي تستودع عبقريتها، كمصدر لقوتها ومنبع تميزها بين الأمم والشعوب.
-2-
ليس غريبا إذن، على الثقافة أن تلعب مثل هذه لأدوار جميعا، فهي تمتد على مساحة واسعة من الفكر والإبداع والخلق/ تمتد على مساحة واسعة من التاريخ والجغرافيا البشرية/ تؤدي أدوارا ومهاما في الأمن  الحضاري/ الأمن القومي/ الأمن السياسي، لا يقوم بها غيرها من القطاعات.
1/ الثقافة في معاجم اللغة العربية القديمة، ترتبط بالفطنة والحدق وسرعة الفهم والبديهة، قال محمد بن منظور في "لسان العرب المحيط": رجل تقف أي فطن/ فهم/ حادق، والمراد هنا أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه.
وبالرغم من هذا المدلول الواسع الذي أعطته اللغة العربية لمصطلح الثقافة/ المثقف، فإن صيغته لم تكن شائعة في الكتابات العربية، لدى العرب الأقدمين، فكان المثقف عندهم هو العالم/ الأديب/ المحدث/ المشارك/ الحافظ/ الفقيه، إلى غير ذلك من الأوصاف.
وانطلاقا من هذه التعريفات، كانت نماذج المثقف العربي في العصر الذهبي للثقافة العربية، تتمثل في كتاب وفقهاء وعلماء وفلاسفة ومؤرخين، من أمثال: الجاحظ وابن قتيبة وابن حزم وابن خلدون وعياض الحصبي والقزويني والسيوطي، وغيرهم من الموسوعيين الذين اغنوا المكتبة العربية بنتاجهم الفكري، المتعدد الاهتمامات.
بمثل هذه النماذج يمكن الباحث المتبصر أن يدرك حيوية الثقافة العربية ككلمة ومفهوم، وأن يلامس أبعادها الفكرية والوجدانية ومراميها الإنسانية، فهي صفة من صفات العقل والنفس/نمط للتفكير والسلوك الوجداني استنارة للذهن/ تهذيب الذوق/ تنمية لملكة النقد والحكم لدى الأفراد والمجتمعات/ منهاج لتقويم المزايا الروحية والعقلية والحسية، وهي أبعد من ذلك، مؤسسة أوجدها العقل الإنساني المبدع، تعهدتها الأجيال المتعاقبة بالشدب والتكميل، حتى أصبحت عنوانا بارز لعبقرية الإنسان([1]). وإحدى السمات المميزة لتقدمه العلمي والحضاري([2]).
2/ والثقافة في القواميس والموسوعات الغربية والحديثة، لا تختلف مفاهيمها عن العربية، هي ما يتصف به الحادق المتعلم من ذوق وحس انتقادي وأحكام صحيحة، بل هي التربية التي تؤدي إلى اكتساب هذه الصفات([3]) وهي أبعد من ذلك، تنمية ملكات العقل وإثرائها بالتمارين الفكرية، وإنها حالة العقل الذي يتم إثرائه على هذا النحو([4]) وإنها منهاج الحياة الذي تسلكه جماعة بشرية ما، ويدخل في ذلك أنماط السلوك التي تكتب بالتعليم أو تقوم على قواعد ثابتة ينهجها فرد ويعاينها ويقرها فرد آخر ينتمي إلى نفس المجموعة، وهي بذلك تشمل أغراض الشعر والنثر البياني والتعبير عن الفكر الراقي عن طريق الفلسفة والعلوم والآداب والنحت والتصوير والفن المعماري والحرف التقليدية والموسيقى التراثية والإبداع بكل أصنافه، وبمعنى أعم، تهتم الثقافة بأنماط الحياة التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان الأعجم([5]).
-3-
انطلاقا من هذا التعريف الموسع والشامل لمفهوم الثقافة، في الثقافة العربية والأوروبية ووعيا بوزنها في تحديد مسارات الأمم والشعوب وفعلها فيما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي، كانت الثقافة فيما مضى، وحتى اليوم أكبر موضوع للتخطيط المستقبلي الذي يراعي الأولويات والتوازنات، ويرمي إلى تحقيق أهداف معينة لها علاقة بحفظ النسيج الاجتماعي وضمان حضور وإشعاع هذه الدولة أو تلك على المستوى العالمي، والانفلات من الهيمنة التي تحاول ممارستها الثقافات التي تقف خلفها دول قوية.  وهنا تطرح السياسية الثقافية التي تتبناها الدول النامية والصناعية في عالم اليوم، بوصفها نموذجا للتنمية والرقي، إذ تقوم على خطط واستراتيجيات متكاملة متمثلة في تشجيع تطوير صناعة سمعية بصرية خاصة بها، وبناء تكتلات لغوية قوية وتنمية المعارف اللغوية والتركيز على الهوية التاريخية/ الثقافية...
هكذا نجد الثقافة في عصرنا الحاضر، عصر التكنولوجيا والحضارة الرقمية قد تحولت إلى فضاء شامل للإبداع والإبتكار، ولتأسيس وعي نقدي تسنده قيم الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان، بل تحولت إلى سلطة رمزية ومعرفية فردية وجمعية متوزعة الروافد في التاريخ والحضارة، واعية بما تعلنه من مواقف بخصوص الدولة والسياسة والمجتمع([6]) بل تحولت أكثر من ذلك إلى مساحة واسعة لانتاج الأفكار وترسيخ قيم المواطنة وتجديد  أسئلة التعقيل، والإسهام في حل معضلات المجتمع ، وخاصة ما يتعلق منها بمرجعيات القيم التي يحتاجها إنسان هذا العصر، وأبرزها الحفاظ على المكتسبات الرمزية لما يشكل هويته (إعادة كتابة تاريخه/ المسؤولة اللغوية) الاستمرار في تشييد قيم وطنية في الدول المتخلفة تساهم في حل معضلة الاجتماعي المختل بسبب تنامي حالات الفقر والأمية والبطالة وتدني مستوى التعليم في مختلف أسلاكه وبرامجه([7])، وهو ما يعني بوضوح، تشجيع المبادرات الثقافية وتعميم المنشآت/ منشآت الطباعة والنشر/ المنشآت السينمائية/ المنشآت التشكيلية والموسيقية والمسرحية) وإعادة هيكلة المكتبات العمومية وقاعات العرض والمتاحف في المدن والقرى ودعم كل ذلك سواء في السياسة الحكومية، أو في مبادرات القطاع الخاص.
-4-
في ورقة لقطاع الثقافة بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل (سنة 2011)، إن تناول هذه الإشكالية بمغرب عهد الاستقلال، طرح/ يطرح نقاشا محوريا حول مراميها ومساحاتها، خاصة أنها تخضع لتركيب مجتمعي معقد لإطار تتداخل فيه عوامل تمس الرقعة الجغرافية والتطور الكرونولوجي لإحداث ووقائع تنتج سلوكات ومفاهيم تؤطر المجتمع معرفيا، لغويا، عمرانيا، وبالتالي فإن التمظهرات على مستوى العراقة والحداثة، هو تحصيل حاصل لبنية المجتمع وتموجاته التاريخية وموقعه الجغرافي، ومن هنا يصعب  في نظر الباحثين والمهتمين والخبراء المغاربة تحديد مجال الفعل الثقافي وحدود مساحته، لأنه سلوك ونمط عيش ولغة تواصل، وبنية تدبير العلاقة داخل المجتمع أفقيا وعموديا([8]). ما لاحظته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن مختلف التنظيمات الحزبية غيبت السؤال الثقافي، عن تصوراتها الإستراتيجية ومقرراتها التنظيمية والسياسية، وهو ما غيب هذا السؤال عن السياسات الحكومية، ويعود ذلك بالأساس في نظرها، إما إلى ضغط الأولويات والحاجيات المجتمعية الملحة، أو إلى اختياراتها المرجعية والإيديولوجية، وهو ما جعل الفعل الثقافي في مغرب اليوم محدود الفاعلية والتأثير على الرأي العام، وعلى مراكز القرار، في حين أن إعادة الوعي الثقافي، كان وما زال يقتضي إدماجه في المشاريع والبرامج والإستراتيجيات والمقررات التنظيمية والسياسية، لمختلف تنظيمات المجتمع المدني أحزابا وجمعيات ونقابات وغيرها، ليتبلور ذلك في توجيهات السياسيات الحكومية، خاصة منها: التربية/ التكوين/ الإعلام/ العمران وغيرها من مظاهر الحياة في ظل المنظومة الثقافية التي جعلت/ تجعل المواطن كمصدر للتنمية والفكر والإبداع([9]).
وخارج هذا التوجه ستظل الأزمة الثقافية في نظر هؤلاء الباحثين قائمة تتعايش وتنمو في ظل أزمات التربية والتعليم والشغل والصحة والخبز والأمية والفقر على أكثر من صعيد، إلى أن يتم فتح أوراش فاعلة حول الثقافة، على غرار الأوراش التنموية الكبرى التي بدأنا نشهد بعضها في جهات البلاد، حينا بعد آخر، للانخراط الفعلي في قيم الحداثة والتحديث، والقطع مع مظاهر التقليد والتراجع.
هكذا، يمكن قياس "السياسة الثقافية" بمغرب الألفية الثانية، أي بعد ستة عقود من حصول المغرب على استقلاله، بما تحمله التقارير الدولية الرسمية عن القراءة والكتابة والنشر كما عن الصناعة الثقافية/ التنمية الثقافية عموما، وعن الأدوات الأكثر تعبيرا عن الثقافة والفكر، هنا وفي أنحاء الدنيا.
تقول إحصائيات "اليونسكو" وإحصائيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم/ إيسيسكو، أن معدل القراءة في مغرب الألفية الثالثة لا يتجاوز 6 دقائق في السنة للفرد الواحد، وأن معدل نشر الكتب، لا يصل إلى كتاب واحد لكل ربع مليون مواطن.
وتقول هذه التقارير أيضا، أن الوزارة المعنية بالقطاع الثقافي، لا تقدم أي خدمات ثقافية من شأنها بلورة الوعي الوطني بالتراث والإبداع، ولا تساهم في دعم الكتاب أو المسرح أو الموسيقى أو التشكيل وفق منظور قريب أو متوسط أو بعيد المدى، من شأنه تبني خطط تنموية ثقافية قادرة على الاستجابة إلى تطلعات الشعب المغربي، ونخبته الثقافية. وهو ما يجعل السؤال ملحا: ما هو الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة؟ وما علاقتها بالأمن الثقافي المغربي؟
من هذه الزاوية، يمكننا أن نلاحظ، أن ما تقوم به الوزارة الوصية عن الثقافة، في كل تمظهراته/ في كل برامجه إن كانت هنالك برامج، لا ينتمي الجزء الأكبر منه إلى الشأن الثقافي، ولا يشكل في كلياته إلا الجزء اليسير من مضامين الفعل الثقافي.
-5-
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في مغرب اليوم: ليس فقط، ما هو الدور الذي لعبته/ تلعبه وزارة الثقافة في الحياة المغربية وهي تحتل مساحة من الميزانية العاملة لدولتنا الفقيرة، ومن الخطاب السياسي، بل السؤال ربما قد يكون أبعد من ذلك: هل جعلتنا هذه الوزارة، نقوم بإنتاج ثقافة مبدعة، تخصب حاضرنا، وتلون أحلامنا وتمنحنا جدارة المعاناة في التاريخ/ هل استطاعت رسم بعض الخطوط لما يسمى في عالم اليوم بالأمن الثقافي/ بالتنمية الثقافية..؟ إن هذه الوزارة ظلت قائمة في المشهد الحكومي المغربي، منذ عدة عقود ولكن دون أن تضيف للواقع الثقافي، ما يبرر وجودها، واستهلاكها لجزء من الميزانية العامة. إننا مازلنا في الثقافة نستهلك أضعاف أضعاف ما ننتج/ ما نزال بدون مؤسسات ثقافية فعليه ترعى الثقافة والمثقفين/ ما زلنا بدون مؤسسات ترعى الفعل الثقافي، وتؤهله في البنيات المجتمعية. وعلى الجانب الآخر، ما زالت أروقة هذه الوزارة/ وزارة الثقافة، تساكن الأموات، وتبلور أفكارهم ورؤاهم على منشوراتها ومجلاتها وإصداراتها العجيبة، دون أن تنتبه إلى الإنتاج الثقافي الحي، انتاج الأجيال الجديدة/ الصاعدة، الذي من شأنه تغذية التطلعات المغربية، أو يرسم أمامها لوحة الثقافة التي يحلم المغاربة بها، وهو ما يرسخ سيادة مناخ الجمود الفكري والتأخر الثقافي.
        والحقيقة المؤلمة، أن موضوع الثقافة، ظل غائبا بمفاهيمه/ بفاعليته/ بمؤسساته عن التفكير، وعن السياسات الحكومية منذ حصول المغرب على استقلاله (سنة 1955)، فكل ما تم تحقيقه على أرض الواقع، أنشطة متواضعة، فقيرة معدمة، وهشة، تمت بمجهود الأفراد والباحثين والكتاب والفنانين، وبعض جمعيات المجتمع المدني، حسب إمكاناتهم الذاتية، وتضحياتهم الخاصة، وهم بذلك حافظوا على بعض ملامح الثقافة المغربية، وعلى بعض ملامح تراثها ومكوناتها.
        وأكيد، أن غياب سياسة ثقافية بالمشهد الحكومي، طيلة العقود الماضية، لم يكن غيابا عشوائيا، بل حكمته طوال هذا التاريخ، خليفة إيديولوجية تعادي الثقافة، وتجعل منها عدوا للسلطة.
-6-
        سؤال أخير، ويبدو أكثر إلحاحا في المشهد الحكومي اليوم: ما هو منظور الحكومة الجديدة/ القديمة للأمن الثقافي؟
        الأمن الثقافي، هو الحفاظ على الهوية الوطنية بشتى الوسائل الثقافية والعلمية والتربوية والسياسية/ هو تحسيس المواطنين بهويتهم/ باستقلالهم، وتحصين شخصيتهم من الاغتراب والاستلاب والتفكك والتمزق.
        فهل يمكن التفكير في الأمن الثقافي، دون التفكير في صياغة إستراتيجية متكاملة لنشر الكتاب، وإشاعة اللوحة التشكيلية والقطعة النحتية والقطعة الموسيقية والشريط السينمائي، هل يمكن التفكير في هذه الإستراتيجية دون صياغة سياسة تعليمية متوازنة/ صياغة فلسفة متوازنة للتعليم من الروض إلى الجامعة..؟ دون صياغة إستراتيجية واسعة للبحث العلمي؟ وهل يمكن تحقيق الأمن الثقافي خارج الأمن السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي؟ أي خارج شروطه الموضوعية؟
        في الضفة المقابلة، نجد أمامنا العديد من الأمم الواعية/ الراقية، أوكلت/ توكل لهذه الوزارة (وزارة الثقافة) مسؤوليات جسام، تتمثل في إعطاء الثقافة الوطنية، موقعها الريادي للدفاع عن هويتها، بالاستثمار المتواصل في الصناعة الثقافية والاقتصاد الثقافي والتنمية الثقافية، وبكل الوسائل والإمكانيات التي من شأنها بلورة مفاهيم الأمن الثقافي/ إعطاء "الهوية" الثقافية موقعها على الخريطة البشرية.
من موقعنا الحزين، نلاحظ كما يلاحظ العالم، أننا نضع استراتيجيات انقلابية ضد الثقافة والمثقفين، نضع للثقافة ولأدواتها مسميات غريبة، في خطابنا السياسي، وهو ما يعني جهلنا المركب بحقيقة الثقافة المغربية وأوضاعها المريضة.
أفلا تنظرون.

*******
هوامش :
[1]  محمد العربي الخطابي/ الثقافة لغة وفكرا وتنظيما الملحق الأسبوعي لجريدة الأنباء 18 فبراير 1985.
[2]  مجدي وهبة/معجم مصطلحات الأدب القاهرة 1963.
[3]  الدكتور جميل صليبا/المعجم الفلسفي (طبعة بيروت 1980)
[4]  معجم لاروس (بارس 1980)
[5]  المستر روبنسن/ الثقافة والحضارة (الموسوعة البريطانية/ طبعة 1969)
[6]  عبد الفتاح الحجمري/ الفعل الثقافي في مغرب اليوم
[7]  عبد الفتاح الحجمري/ المرجع السابق
[8]  حسن الأكحل/الإشكالية الثقافية في المغرب رهانات الفرص الضائعة، جريدة المساء 3 نونبر 2011.
[9]  حسن الاكحل/ المرجع السابق


الإعلامي والكاتب محمد أديب السلاوي

القطاع الثقافي في السياسات الحكومية، قضية لا مشكلة :محمد أديب السلاوي
-1-
ملحوظة : نزولا عند رغبة أساتذنا الجليل محمد أديب السلاوي في المشاركة في هذا الملف الهام ندرج هذه الورقة من إقتراحه للمشاركة والتي سبق وأن نشرها من قبل وهوطريح الفراش بالمستشفى العسكري بالرباط وهذه مناسبة لكي ندعوله جميعا بالشفاء العاجل والأستاذ محمد أديب السلاوي غني عن التعريف في الحقل الثقافي المغربي وهومن قيدومي الصحافة والإعلام المغربي منذ مايناهز النصف قرن من العطاء والإصرارعلى العطاء ، يستحق بالمناسبة كل الثناء والرعاية التي خصه به جلالة الملك محمد السادس .
ستظل الأزمة الثقافية في نظر هؤلاء الباحثين قائمة تتعايش وتنمو في ظل أزمات التربية والتعليم والشغل والصحة والخبز والأمية والفقر على أكثر من صعيد، إلى أن يتم فتح أوراش فاعلة حول الثقافة
ربما يكون من الضروري في هذه الورقة التي نخصها للثقافة في السياسات الحكومية، أن نتوقف قليلا عند المفاهيم المتطورة للثقافة، وعند الأسباب التي جعلت منها الدول النامية، آلية تندمج في السياسات والبرامج والاستراتيجيات البعيدة المدى للدفع بالتنمية في مختلف المجالات والميادين المتصلة بالإنسان/ الهوية/ التاريخ/ الجغرافية، وذلك قبل أن نتطرق إلى موقع هذه الثقافة في السياسات والبرامج الحكومية بمغرب اليوم/ مغرب الألفية الثالثة، حيث أوكلت هذه السياسات القطاع الثقافي موقعا لافتا في المشهد الحكومي، باعتباره أولا يشمل العلم والتربية المعرفة والآداب والفنون والسلوك، وفق رغبات الفرد الشرعية وحقوق المجتمع القانونية حتى يتمكن كل أفراد المجتمع من نظرة متوازنة للتقدم والحضارة، من جهة، وحتى تتم الملاءمة بين مصالح الأفراد، ضمن ترقى المجتمعات، من جهة ثانية.
        واعتبارا للدور الهام الذي تلعبه الثقافة في الأمن المجتمعي، وفي التنمية الشاملة للمجتمعات كان الأمل وما يزال معقودا على هذا القطاع، العناية بالإنسان صانع التنمية، من خلال عنايته بتراثه الماضي وتراثه الحاضر، وعنايته بهويته، بفكره وإبداعه وقيمه الراهنة والمستقبلية. ذلك لأن الثقافة في مفهومها الجامع، وفي مدلولها الشامل، هي الوعاء الحضاري الذي يحفظ للأمة هويتها، ويضمن تماسكها، ويكسبها السمات الفكرية المميزة، التي تتحول إلى ركيزة وجودها، وإلى جماع فكرها وخلاصة إبداعها، والتي تستودع عبقريتها، كمصدر لقوتها ومنبع تميزها بين الأمم والشعوب.
-2-
ليس غريبا إذن، على الثقافة أن تلعب مثل هذه لأدوار جميعا، فهي تمتد على مساحة واسعة من الفكر والإبداع والخلق/ تمتد على مساحة واسعة من التاريخ والجغرافيا البشرية/ تؤدي أدوارا ومهاما في الأمن  الحضاري/ الأمن القومي/ الأمن السياسي، لا يقوم بها غيرها من القطاعات.
1/ الثقافة في معاجم اللغة العربية القديمة، ترتبط بالفطنة والحدق وسرعة الفهم والبديهة، قال محمد بن منظور في "لسان العرب المحيط": رجل تقف أي فطن/ فهم/ حادق، والمراد هنا أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه.
وبالرغم من هذا المدلول الواسع الذي أعطته اللغة العربية لمصطلح الثقافة/ المثقف، فإن صيغته لم تكن شائعة في الكتابات العربية، لدى العرب الأقدمين، فكان المثقف عندهم هو العالم/ الأديب/ المحدث/ المشارك/ الحافظ/ الفقيه، إلى غير ذلك من الأوصاف.
وانطلاقا من هذه التعريفات، كانت نماذج المثقف العربي في العصر الذهبي للثقافة العربية، تتمثل في كتاب وفقهاء وعلماء وفلاسفة ومؤرخين، من أمثال: الجاحظ وابن قتيبة وابن حزم وابن خلدون وعياض الحصبي والقزويني والسيوطي، وغيرهم من الموسوعيين الذين اغنوا المكتبة العربية بنتاجهم الفكري، المتعدد الاهتمامات.
بمثل هذه النماذج يمكن الباحث المتبصر أن يدرك حيوية الثقافة العربية ككلمة ومفهوم، وأن يلامس أبعادها الفكرية والوجدانية ومراميها الإنسانية، فهي صفة من صفات العقل والنفس/نمط للتفكير والسلوك الوجداني استنارة للذهن/ تهذيب الذوق/ تنمية لملكة النقد والحكم لدى الأفراد والمجتمعات/ منهاج لتقويم المزايا الروحية والعقلية والحسية، وهي أبعد من ذلك، مؤسسة أوجدها العقل الإنساني المبدع، تعهدتها الأجيال المتعاقبة بالشدب والتكميل، حتى أصبحت عنوانا بارز لعبقرية الإنسان([1]). وإحدى السمات المميزة لتقدمه العلمي والحضاري([2]).
2/ والثقافة في القواميس والموسوعات الغربية والحديثة، لا تختلف مفاهيمها عن العربية، هي ما يتصف به الحادق المتعلم من ذوق وحس انتقادي وأحكام صحيحة، بل هي التربية التي تؤدي إلى اكتساب هذه الصفات([3]) وهي أبعد من ذلك، تنمية ملكات العقل وإثرائها بالتمارين الفكرية، وإنها حالة العقل الذي يتم إثرائه على هذا النحو([4]) وإنها منهاج الحياة الذي تسلكه جماعة بشرية ما، ويدخل في ذلك أنماط السلوك التي تكتب بالتعليم أو تقوم على قواعد ثابتة ينهجها فرد ويعاينها ويقرها فرد آخر ينتمي إلى نفس المجموعة، وهي بذلك تشمل أغراض الشعر والنثر البياني والتعبير عن الفكر الراقي عن طريق الفلسفة والعلوم والآداب والنحت والتصوير والفن المعماري والحرف التقليدية والموسيقى التراثية والإبداع بكل أصنافه، وبمعنى أعم، تهتم الثقافة بأنماط الحياة التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان الأعجم([5]).
-3-
انطلاقا من هذا التعريف الموسع والشامل لمفهوم الثقافة، في الثقافة العربية والأوروبية ووعيا بوزنها في تحديد مسارات الأمم والشعوب وفعلها فيما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي، كانت الثقافة فيما مضى، وحتى اليوم أكبر موضوع للتخطيط المستقبلي الذي يراعي الأولويات والتوازنات، ويرمي إلى تحقيق أهداف معينة لها علاقة بحفظ النسيج الاجتماعي وضمان حضور وإشعاع هذه الدولة أو تلك على المستوى العالمي، والانفلات من الهيمنة التي تحاول ممارستها الثقافات التي تقف خلفها دول قوية.  وهنا تطرح السياسية الثقافية التي تتبناها الدول النامية والصناعية في عالم اليوم، بوصفها نموذجا للتنمية والرقي، إذ تقوم على خطط واستراتيجيات متكاملة متمثلة في تشجيع تطوير صناعة سمعية بصرية خاصة بها، وبناء تكتلات لغوية قوية وتنمية المعارف اللغوية والتركيز على الهوية التاريخية/ الثقافية...
هكذا نجد الثقافة في عصرنا الحاضر، عصر التكنولوجيا والحضارة الرقمية قد تحولت إلى فضاء شامل للإبداع والإبتكار، ولتأسيس وعي نقدي تسنده قيم الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان، بل تحولت إلى سلطة رمزية ومعرفية فردية وجمعية متوزعة الروافد في التاريخ والحضارة، واعية بما تعلنه من مواقف بخصوص الدولة والسياسة والمجتمع([6]) بل تحولت أكثر من ذلك إلى مساحة واسعة لانتاج الأفكار وترسيخ قيم المواطنة وتجديد  أسئلة التعقيل، والإسهام في حل معضلات المجتمع ، وخاصة ما يتعلق منها بمرجعيات القيم التي يحتاجها إنسان هذا العصر، وأبرزها الحفاظ على المكتسبات الرمزية لما يشكل هويته (إعادة كتابة تاريخه/ المسؤولة اللغوية) الاستمرار في تشييد قيم وطنية في الدول المتخلفة تساهم في حل معضلة الاجتماعي المختل بسبب تنامي حالات الفقر والأمية والبطالة وتدني مستوى التعليم في مختلف أسلاكه وبرامجه([7])، وهو ما يعني بوضوح، تشجيع المبادرات الثقافية وتعميم المنشآت/ منشآت الطباعة والنشر/ المنشآت السينمائية/ المنشآت التشكيلية والموسيقية والمسرحية) وإعادة هيكلة المكتبات العمومية وقاعات العرض والمتاحف في المدن والقرى ودعم كل ذلك سواء في السياسة الحكومية، أو في مبادرات القطاع الخاص.
-4-
في ورقة لقطاع الثقافة بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل (سنة 2011)، إن تناول هذه الإشكالية بمغرب عهد الاستقلال، طرح/ يطرح نقاشا محوريا حول مراميها ومساحاتها، خاصة أنها تخضع لتركيب مجتمعي معقد لإطار تتداخل فيه عوامل تمس الرقعة الجغرافية والتطور الكرونولوجي لإحداث ووقائع تنتج سلوكات ومفاهيم تؤطر المجتمع معرفيا، لغويا، عمرانيا، وبالتالي فإن التمظهرات على مستوى العراقة والحداثة، هو تحصيل حاصل لبنية المجتمع وتموجاته التاريخية وموقعه الجغرافي، ومن هنا يصعب  في نظر الباحثين والمهتمين والخبراء المغاربة تحديد مجال الفعل الثقافي وحدود مساحته، لأنه سلوك ونمط عيش ولغة تواصل، وبنية تدبير العلاقة داخل المجتمع أفقيا وعموديا([8]). ما لاحظته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن مختلف التنظيمات الحزبية غيبت السؤال الثقافي، عن تصوراتها الإستراتيجية ومقرراتها التنظيمية والسياسية، وهو ما غيب هذا السؤال عن السياسات الحكومية، ويعود ذلك بالأساس في نظرها، إما إلى ضغط الأولويات والحاجيات المجتمعية الملحة، أو إلى اختياراتها المرجعية والإيديولوجية، وهو ما جعل الفعل الثقافي في مغرب اليوم محدود الفاعلية والتأثير على الرأي العام، وعلى مراكز القرار، في حين أن إعادة الوعي الثقافي، كان وما زال يقتضي إدماجه في المشاريع والبرامج والإستراتيجيات والمقررات التنظيمية والسياسية، لمختلف تنظيمات المجتمع المدني أحزابا وجمعيات ونقابات وغيرها، ليتبلور ذلك في توجيهات السياسيات الحكومية، خاصة منها: التربية/ التكوين/ الإعلام/ العمران وغيرها من مظاهر الحياة في ظل المنظومة الثقافية التي جعلت/ تجعل المواطن كمصدر للتنمية والفكر والإبداع([9]).
وخارج هذا التوجه ستظل الأزمة الثقافية في نظر هؤلاء الباحثين قائمة تتعايش وتنمو في ظل أزمات التربية والتعليم والشغل والصحة والخبز والأمية والفقر على أكثر من صعيد، إلى أن يتم فتح أوراش فاعلة حول الثقافة، على غرار الأوراش التنموية الكبرى التي بدأنا نشهد بعضها في جهات البلاد، حينا بعد آخر، للانخراط الفعلي في قيم الحداثة والتحديث، والقطع مع مظاهر التقليد والتراجع.
هكذا، يمكن قياس "السياسة الثقافية" بمغرب الألفية الثانية، أي بعد ستة عقود من حصول المغرب على استقلاله، بما تحمله التقارير الدولية الرسمية عن القراءة والكتابة والنشر كما عن الصناعة الثقافية/ التنمية الثقافية عموما، وعن الأدوات الأكثر تعبيرا عن الثقافة والفكر، هنا وفي أنحاء الدنيا.
تقول إحصائيات "اليونسكو" وإحصائيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم/ إيسيسكو، أن معدل القراءة في مغرب الألفية الثالثة لا يتجاوز 6 دقائق في السنة للفرد الواحد، وأن معدل نشر الكتب، لا يصل إلى كتاب واحد لكل ربع مليون مواطن.
وتقول هذه التقارير أيضا، أن الوزارة المعنية بالقطاع الثقافي، لا تقدم أي خدمات ثقافية من شأنها بلورة الوعي الوطني بالتراث والإبداع، ولا تساهم في دعم الكتاب أو المسرح أو الموسيقى أو التشكيل وفق منظور قريب أو متوسط أو بعيد المدى، من شأنه تبني خطط تنموية ثقافية قادرة على الاستجابة إلى تطلعات الشعب المغربي، ونخبته الثقافية. وهو ما يجعل السؤال ملحا: ما هو الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة؟ وما علاقتها بالأمن الثقافي المغربي؟
من هذه الزاوية، يمكننا أن نلاحظ، أن ما تقوم به الوزارة الوصية عن الثقافة، في كل تمظهراته/ في كل برامجه إن كانت هنالك برامج، لا ينتمي الجزء الأكبر منه إلى الشأن الثقافي، ولا يشكل في كلياته إلا الجزء اليسير من مضامين الفعل الثقافي.
-5-
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في مغرب اليوم: ليس فقط، ما هو الدور الذي لعبته/ تلعبه وزارة الثقافة في الحياة المغربية وهي تحتل مساحة من الميزانية العاملة لدولتنا الفقيرة، ومن الخطاب السياسي، بل السؤال ربما قد يكون أبعد من ذلك: هل جعلتنا هذه الوزارة، نقوم بإنتاج ثقافة مبدعة، تخصب حاضرنا، وتلون أحلامنا وتمنحنا جدارة المعاناة في التاريخ/ هل استطاعت رسم بعض الخطوط لما يسمى في عالم اليوم بالأمن الثقافي/ بالتنمية الثقافية..؟ إن هذه الوزارة ظلت قائمة في المشهد الحكومي المغربي، منذ عدة عقود ولكن دون أن تضيف للواقع الثقافي، ما يبرر وجودها، واستهلاكها لجزء من الميزانية العامة. إننا مازلنا في الثقافة نستهلك أضعاف أضعاف ما ننتج/ ما نزال بدون مؤسسات ثقافية فعليه ترعى الثقافة والمثقفين/ ما زلنا بدون مؤسسات ترعى الفعل الثقافي، وتؤهله في البنيات المجتمعية. وعلى الجانب الآخر، ما زالت أروقة هذه الوزارة/ وزارة الثقافة، تساكن الأموات، وتبلور أفكارهم ورؤاهم على منشوراتها ومجلاتها وإصداراتها العجيبة، دون أن تنتبه إلى الإنتاج الثقافي الحي، انتاج الأجيال الجديدة/ الصاعدة، الذي من شأنه تغذية التطلعات المغربية، أو يرسم أمامها لوحة الثقافة التي يحلم المغاربة بها، وهو ما يرسخ سيادة مناخ الجمود الفكري والتأخر الثقافي.
        والحقيقة المؤلمة، أن موضوع الثقافة، ظل غائبا بمفاهيمه/ بفاعليته/ بمؤسساته عن التفكير، وعن السياسات الحكومية منذ حصول المغرب على استقلاله (سنة 1955)، فكل ما تم تحقيقه على أرض الواقع، أنشطة متواضعة، فقيرة معدمة، وهشة، تمت بمجهود الأفراد والباحثين والكتاب والفنانين، وبعض جمعيات المجتمع المدني، حسب إمكاناتهم الذاتية، وتضحياتهم الخاصة، وهم بذلك حافظوا على بعض ملامح الثقافة المغربية، وعلى بعض ملامح تراثها ومكوناتها.
        وأكيد، أن غياب سياسة ثقافية بالمشهد الحكومي، طيلة العقود الماضية، لم يكن غيابا عشوائيا، بل حكمته طوال هذا التاريخ، خليفة إيديولوجية تعادي الثقافة، وتجعل منها عدوا للسلطة.
-6-
        سؤال أخير، ويبدو أكثر إلحاحا في المشهد الحكومي اليوم: ما هو منظور الحكومة الجديدة/ القديمة للأمن الثقافي؟
        الأمن الثقافي، هو الحفاظ على الهوية الوطنية بشتى الوسائل الثقافية والعلمية والتربوية والسياسية/ هو تحسيس المواطنين بهويتهم/ باستقلالهم، وتحصين شخصيتهم من الاغتراب والاستلاب والتفكك والتمزق.
        فهل يمكن التفكير في الأمن الثقافي، دون التفكير في صياغة إستراتيجية متكاملة لنشر الكتاب، وإشاعة اللوحة التشكيلية والقطعة النحتية والقطعة الموسيقية والشريط السينمائي، هل يمكن التفكير في هذه الإستراتيجية دون صياغة سياسة تعليمية متوازنة/ صياغة فلسفة متوازنة للتعليم من الروض إلى الجامعة..؟ دون صياغة إستراتيجية واسعة للبحث العلمي؟ وهل يمكن تحقيق الأمن الثقافي خارج الأمن السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي؟ أي خارج شروطه الموضوعية؟
        في الضفة المقابلة، نجد أمامنا العديد من الأمم الواعية/ الراقية، أوكلت/ توكل لهذه الوزارة (وزارة الثقافة) مسؤوليات جسام، تتمثل في إعطاء الثقافة الوطنية، موقعها الريادي للدفاع عن هويتها، بالاستثمار المتواصل في الصناعة الثقافية والاقتصاد الثقافي والتنمية الثقافية، وبكل الوسائل والإمكانيات التي من شأنها بلورة مفاهيم الأمن الثقافي/ إعطاء "الهوية" الثقافية موقعها على الخريطة البشرية.
من موقعنا الحزين، نلاحظ كما يلاحظ العالم، أننا نضع استراتيجيات انقلابية ضد الثقافة والمثقفين، نضع للثقافة ولأدواتها مسميات غريبة، في خطابنا السياسي، وهو ما يعني جهلنا المركب بحقيقة الثقافة المغربية وأوضاعها المريضة.
أفلا تنظرون.

*******
هوامش :
[1]  محمد العربي الخطابي/ الثقافة لغة وفكرا وتنظيما الملحق الأسبوعي لجريدة الأنباء 18 فبراير 1985.
[2]  مجدي وهبة/معجم مصطلحات الأدب القاهرة 1963.
[3]  الدكتور جميل صليبا/المعجم الفلسفي (طبعة بيروت 1980)
[4]  معجم لاروس (بارس 1980)
[5]  المستر روبنسن/ الثقافة والحضارة (الموسوعة البريطانية/ طبعة 1969)
[6]  عبد الفتاح الحجمري/ الفعل الثقافي في مغرب اليوم
[7]  عبد الفتاح الحجمري/ المرجع السابق
[8]  حسن الأكحل/الإشكالية الثقافية في المغرب رهانات الفرص الضائعة، جريدة المساء 3 نونبر 2011.
[9]  حسن الاكحل/ المرجع السابق


نشر في : 10:09 ص |  من طرف ABDOUHAKKI
المثقف والسياسي بين المنفعة والحق أحمد  العمراوي
خاص بالمجلة 
أي موقف ؟
       الكاتب والمثقف هو المسؤول أولا عن وضع ربما جر إليه جرا.
من المسؤول عن الوضع الذي آلت إليه الثقافة في المغرب؟ لم هذا التبعثر في الموقف؟ في الرؤية؟ في العلاقة بالذات وبالآخر؟
       تعودنا في حديثنا اليومي المغربي أن نُرجع كل شيء للآخر؟ ضربني الباب- مشا عليا الحال – هرب علي القطار .... الآخر هو السبب دائما. هكذا نحن في الأصل والعمق. ولكن أليس في هذا الطرح بالنسبة للوضع الثقافي بعضا من الصحة؟ وإلا من هو المثقف الآن حتى نعطيه هالة قد لا يستحقها؟
المثقف هو من يصنع آخَرَه. دوره الأساسي هو التأثير أكثر من التأثر. الثقافة موقف من الكتابة والذات والآخر. لا وجود لأحدهما بدون الآخر. وحين يكون المتلقي مهزوز الفكر فقد تكون مهمة الملقي الذي هو الكاتب هنا أشد صعوبة. المنفعة لا الحق. قالها عبد الله العروي. أية منفعة وأي حق. المنفعة إذا ارتبطت بذاتية مادية ضيقة فقد تعصف بالملقي والمتلقي معا جهة أخرى غير جهة الحق. أنا كاتب أستمد رؤئيتي وتصوري من الواقع الذي أعيشه، ومهمتي ومهنتي هي الكتابة انطلاقا من هذا الواقع ولكن بالارتفاع عنه. كيف علي المقاومة. هنا ظهرت في السابق ضرورة التكتلات من اتحادات للكتاب وبيوت للشعر والأدب وجمعيات مستقلة عن السلطة السياسية. وقد ظل المغرب منذ زمان وما زال وإن بشكل محدود يشكل الاستثناء العربي لانفصال الثقافة عن السلطة السياسية ولو كمواقف للكتاب أنفسهم. وستظهر الضبابية وتختلط الرؤى ويعم الريع الثقافي الضيق. بعض الكتاب يكتفون بهزالة تعويضات للقاءات أو لسفريات حالمة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء اتخاذ الموقف المؤثر لا المتأثر. هي الذات إذن، أي أن الكاتب والمثقف هو المسؤول أولا عن وضع ربما جر إليه جرا. ويبقى الطمع والحاجة مترابطان. تم يظهر المد والجزر أنا أولا وجماعتي. علي استدعاء من سأستفيد من استضافته هنا أو هناك . الإعلام الصحفي يؤثر. علي إرضاؤه وعلي نشر غسيلي على الملأ لأنجح في البقاء على الكرسي لا حقا. الكرسي وهميا كان أم كعكة سمينة أحول ريعها جهة وبمباركة البعض سذجا أو متآمرين.
أين يكمن الخلل ؟
كلنا مسؤولون بصمتنا وبمواقفنا المهزوزة . بتزكيتنا لهذا أو ذاك أو بالانتفاض ضد الجماعة . وقد تتوالى البيانات لا انطلاقا من قتنعات بمشروع مغاير، ولكن عن ذاتية ولو تكتَّل أصحابها بموقف موحد. الموقف الموحد من المفروض أن يواكب السياسي في كل مراحله لا أن يبقى ظرفيا. مواقف الكتاب والمثقفين تحتاج إلى تكتل فعلا ولكن داخل الانفراد. لم يعد مقبولا الركض خلف القائد موزع الأوامر ومقسم الغنيمة. ( وأية غنيمة؟). السياسة الثقافية للبلد تتحمل أعلى المسؤولية. هي الضاغط وهي المساند ماديا ومعنويا. لا ثقافة بلا سند. ولكن المفارقة هي من سيؤثر في الآخر؟ : السياسي أم المثقف؟ . تم تهميش الثقافة في شكلها الإبداعي والعلمي والفكري لصالح نخب تدير المنابر الثقافية بتقنية الموظف السامي أحيانا والموظف المواظب أخرى. كلما انسحب المثقف الحقيقي للخلف قليلا إلا وأخذ آخر يعرف من أين تؤكل الكتف مكانه. وبذلك سيعم الفساد الثقافي تماما كما يحصل في المجالات الأخرى وعلى رأسها السياسة العامة للبلد. لا فصل بين هذا وذاك. وحين تخلط الأوراق ولا نفرق في المشهد السياسي بين اليمين واليسار والوسط، فالأمر نفسه سينطبق على الكاتب ووضعه الاعتباري قبل المادي. عم الفساد واستشرى وأصبح كاتبنا الحقيقي منزويا لأنه لا أحد سيستمع لصوته. الكل يتحمل المسؤولية ولا أستثني أحدا.
هل من حل؟
الثقافة المادية ترتبط بالثرات المكتوب والشفوي والمرئي للبلد. وليتحمل كل منا مسؤوليته. من الصعب أن تجد نقاء في ماء عكر. والماديات ترتبط باللاماديات. كيف سنعيد الاعتبار للوضع الثقافي في زمن التشوه . الإعلام يقتلنا بتفاهة مسلسلاته التلفزيونية ، وبتفاهة منشطيه الإذاعية. والرداءة تعم، وقد ويجر الكاتب معها جرا إما جهة الصمت أو بالدخول في صلب اللعبة. كيف ستعيد للثقافة وضعها الاعتباري في زمن الإعراض التام عن القراءة والكتابة؟ . المدرسة تنتج أنصاف متعلمين. تنتج تقنيين سيسيرون مقاولاتهم بالأرقام لا بالمعرفة. ثقافة الكرة ظاهرة عامة. ثقافة الأغاني الساقطة وتوظيف كل الوسائل من أجل إثباتها وترسيخها لدى الناشئة. ولكم أن تسألوا متعلما عن اسم واحد من شعراء المغرب محدثيهم وقدمائهم لتفاجؤوا بالصدمة أثناء الجواب.  وقارنوا بأسماء المشاهير. هو العصف القادم . هذه مسالة عامة ولكن الأمم الذكية ذات الرؤية المستقبلية تناضل بكل الوسائل من أجل الحفاظ على ثراتها الثقافي قديمه وحديثه. على الكل تحمل مسؤوليته وعلينا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بالنسبة للمؤسسات الثقافية رسمية كانت أم ذات نفع عام أم تطوعية. الهم الثقافي يجب أن يحضر قبل أي هم آخر. ولكن لا سبيل لتحقيق هذه الأحلام الرومانسية إلا بالنزول لأرض الواقع. بتشجيع الكاتب الحقيقي ماديا ومعنويا لإيصال صوته. ثم محاسبته بعد ذلك . ألا يُولّد المال السائب سرقة كما يقول المغاربة.  الكتابة موقف من الحياة ومن السياسة. موقف واضح لا لبس فيه ولا وسطية. الكاتب هو المؤثر أولا قبل أن يستسلم لإغراءات السلطة والسياسة.
 أختم هذا الكلام بحادثة بسيطة وقعت لي مع أحد رؤساء اتحاد الكتاب القدامى الحقيقيين، حيث أخبرني أنه في عهد الحسن الثاني كان قد تم استدعاء أعضاء المكتب للمثول بين يدي الملك. وكانوا حائرين وخائفين من الرفض، فقرروا الذهاب ليلا حتى لا يراهم أحد تجنبا لإثارة المثقفين والرأي العام. وحذروا أحدهم من إخبار الناس بذلك. يتسللون ويتخذون التقية حتى لا تختلط مواقفهم او تهز أمام الآخر. هي مواقف ومواقف . ولكم أن تقارنوا بالسباق المحموم نحو معانقة السياسي حاليا. بشكل مباشر أو عبر الوسائط المتعددة.




الشاعروالناقد أحمد العمراوي

المثقف والسياسي بين المنفعة والحق أحمد  العمراوي
خاص بالمجلة 
أي موقف ؟
       الكاتب والمثقف هو المسؤول أولا عن وضع ربما جر إليه جرا.
من المسؤول عن الوضع الذي آلت إليه الثقافة في المغرب؟ لم هذا التبعثر في الموقف؟ في الرؤية؟ في العلاقة بالذات وبالآخر؟
       تعودنا في حديثنا اليومي المغربي أن نُرجع كل شيء للآخر؟ ضربني الباب- مشا عليا الحال – هرب علي القطار .... الآخر هو السبب دائما. هكذا نحن في الأصل والعمق. ولكن أليس في هذا الطرح بالنسبة للوضع الثقافي بعضا من الصحة؟ وإلا من هو المثقف الآن حتى نعطيه هالة قد لا يستحقها؟
المثقف هو من يصنع آخَرَه. دوره الأساسي هو التأثير أكثر من التأثر. الثقافة موقف من الكتابة والذات والآخر. لا وجود لأحدهما بدون الآخر. وحين يكون المتلقي مهزوز الفكر فقد تكون مهمة الملقي الذي هو الكاتب هنا أشد صعوبة. المنفعة لا الحق. قالها عبد الله العروي. أية منفعة وأي حق. المنفعة إذا ارتبطت بذاتية مادية ضيقة فقد تعصف بالملقي والمتلقي معا جهة أخرى غير جهة الحق. أنا كاتب أستمد رؤئيتي وتصوري من الواقع الذي أعيشه، ومهمتي ومهنتي هي الكتابة انطلاقا من هذا الواقع ولكن بالارتفاع عنه. كيف علي المقاومة. هنا ظهرت في السابق ضرورة التكتلات من اتحادات للكتاب وبيوت للشعر والأدب وجمعيات مستقلة عن السلطة السياسية. وقد ظل المغرب منذ زمان وما زال وإن بشكل محدود يشكل الاستثناء العربي لانفصال الثقافة عن السلطة السياسية ولو كمواقف للكتاب أنفسهم. وستظهر الضبابية وتختلط الرؤى ويعم الريع الثقافي الضيق. بعض الكتاب يكتفون بهزالة تعويضات للقاءات أو لسفريات حالمة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء اتخاذ الموقف المؤثر لا المتأثر. هي الذات إذن، أي أن الكاتب والمثقف هو المسؤول أولا عن وضع ربما جر إليه جرا. ويبقى الطمع والحاجة مترابطان. تم يظهر المد والجزر أنا أولا وجماعتي. علي استدعاء من سأستفيد من استضافته هنا أو هناك . الإعلام الصحفي يؤثر. علي إرضاؤه وعلي نشر غسيلي على الملأ لأنجح في البقاء على الكرسي لا حقا. الكرسي وهميا كان أم كعكة سمينة أحول ريعها جهة وبمباركة البعض سذجا أو متآمرين.
أين يكمن الخلل ؟
كلنا مسؤولون بصمتنا وبمواقفنا المهزوزة . بتزكيتنا لهذا أو ذاك أو بالانتفاض ضد الجماعة . وقد تتوالى البيانات لا انطلاقا من قتنعات بمشروع مغاير، ولكن عن ذاتية ولو تكتَّل أصحابها بموقف موحد. الموقف الموحد من المفروض أن يواكب السياسي في كل مراحله لا أن يبقى ظرفيا. مواقف الكتاب والمثقفين تحتاج إلى تكتل فعلا ولكن داخل الانفراد. لم يعد مقبولا الركض خلف القائد موزع الأوامر ومقسم الغنيمة. ( وأية غنيمة؟). السياسة الثقافية للبلد تتحمل أعلى المسؤولية. هي الضاغط وهي المساند ماديا ومعنويا. لا ثقافة بلا سند. ولكن المفارقة هي من سيؤثر في الآخر؟ : السياسي أم المثقف؟ . تم تهميش الثقافة في شكلها الإبداعي والعلمي والفكري لصالح نخب تدير المنابر الثقافية بتقنية الموظف السامي أحيانا والموظف المواظب أخرى. كلما انسحب المثقف الحقيقي للخلف قليلا إلا وأخذ آخر يعرف من أين تؤكل الكتف مكانه. وبذلك سيعم الفساد الثقافي تماما كما يحصل في المجالات الأخرى وعلى رأسها السياسة العامة للبلد. لا فصل بين هذا وذاك. وحين تخلط الأوراق ولا نفرق في المشهد السياسي بين اليمين واليسار والوسط، فالأمر نفسه سينطبق على الكاتب ووضعه الاعتباري قبل المادي. عم الفساد واستشرى وأصبح كاتبنا الحقيقي منزويا لأنه لا أحد سيستمع لصوته. الكل يتحمل المسؤولية ولا أستثني أحدا.
هل من حل؟
الثقافة المادية ترتبط بالثرات المكتوب والشفوي والمرئي للبلد. وليتحمل كل منا مسؤوليته. من الصعب أن تجد نقاء في ماء عكر. والماديات ترتبط باللاماديات. كيف سنعيد الاعتبار للوضع الثقافي في زمن التشوه . الإعلام يقتلنا بتفاهة مسلسلاته التلفزيونية ، وبتفاهة منشطيه الإذاعية. والرداءة تعم، وقد ويجر الكاتب معها جرا إما جهة الصمت أو بالدخول في صلب اللعبة. كيف ستعيد للثقافة وضعها الاعتباري في زمن الإعراض التام عن القراءة والكتابة؟ . المدرسة تنتج أنصاف متعلمين. تنتج تقنيين سيسيرون مقاولاتهم بالأرقام لا بالمعرفة. ثقافة الكرة ظاهرة عامة. ثقافة الأغاني الساقطة وتوظيف كل الوسائل من أجل إثباتها وترسيخها لدى الناشئة. ولكم أن تسألوا متعلما عن اسم واحد من شعراء المغرب محدثيهم وقدمائهم لتفاجؤوا بالصدمة أثناء الجواب.  وقارنوا بأسماء المشاهير. هو العصف القادم . هذه مسالة عامة ولكن الأمم الذكية ذات الرؤية المستقبلية تناضل بكل الوسائل من أجل الحفاظ على ثراتها الثقافي قديمه وحديثه. على الكل تحمل مسؤوليته وعلينا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بالنسبة للمؤسسات الثقافية رسمية كانت أم ذات نفع عام أم تطوعية. الهم الثقافي يجب أن يحضر قبل أي هم آخر. ولكن لا سبيل لتحقيق هذه الأحلام الرومانسية إلا بالنزول لأرض الواقع. بتشجيع الكاتب الحقيقي ماديا ومعنويا لإيصال صوته. ثم محاسبته بعد ذلك . ألا يُولّد المال السائب سرقة كما يقول المغاربة.  الكتابة موقف من الحياة ومن السياسة. موقف واضح لا لبس فيه ولا وسطية. الكاتب هو المؤثر أولا قبل أن يستسلم لإغراءات السلطة والسياسة.
 أختم هذا الكلام بحادثة بسيطة وقعت لي مع أحد رؤساء اتحاد الكتاب القدامى الحقيقيين، حيث أخبرني أنه في عهد الحسن الثاني كان قد تم استدعاء أعضاء المكتب للمثول بين يدي الملك. وكانوا حائرين وخائفين من الرفض، فقرروا الذهاب ليلا حتى لا يراهم أحد تجنبا لإثارة المثقفين والرأي العام. وحذروا أحدهم من إخبار الناس بذلك. يتسللون ويتخذون التقية حتى لا تختلط مواقفهم او تهز أمام الآخر. هي مواقف ومواقف . ولكم أن تقارنوا بالسباق المحموم نحو معانقة السياسي حاليا. بشكل مباشر أو عبر الوسائط المتعددة.




نشر في : 9:48 ص |  من طرف ABDOUHAKKI

الخميس، 5 مارس 2015

الشاعروالناقد توفيقي بلعيد
خاص بالمجلة
ــــ ما هو موقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في اهتزاز قيم بعض المثقفين واستشراء الفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
ــــ ما هي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الاعتبار لدور الثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغدا ؟
المثقف، في ساحتنا المغربية والعربية عموما (إلا قلة قليلة جدا) إما كان تابعا لقبيلته السياسية (الحزب أو التنظيم) أو كان تابعا للنظام الحاكم.
تقف هذه الأسئلة كالتهم في وجه المثقف، الذي يعيش في هذه الفترة بالذات عزلته وانحصار تأثيره، يذكي ذلك انصراف الناس إلى أمور أخرى لا علاقة لها بالثقافي، الثقافي كما ترسخ لدينا خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث يشكل الكتاب محورا هاما في نقل المعرفة والتربية والتثقيف، الكتابُ الذي كان الجميع يرجعون إليه، يرجع إليه المسرحي والسينمائي ويرجع إليه الفنانون الآخرون من جميع المشارب والتخصصات. مكانة المثقف، تأثيره في الأحداث، موقعه في المقدمة عند اشتعال الجبهات… هو ما يمكن التساؤل عنه الآن، وليس المثقف ككائن اجتماعي معرض لكل آفات مجتمعه
قبل الجواب عن هذه الأسئلة، التي تجسد قلقا ما، وتحمل اتهامات واضحة للمثقف، لابد أن نحدد المفهوم(مفهوم الثقافي)، وإلا انزلقنا في دروب لن تؤدي بنا سوى باتجاه المتاهة، وتزج بنا في حمأة اللغط الذي يذكيه الخلط بين الأشياء
الثقافي بالنسبة لي هو كل هذا البناء الحضاري بشقيه المادي والمعنوي، بثرواته المادية والروحية، وإلا سنسقط في جريرة الفصل بين البناء التحتي والبناء الفوقي، وهو الأمر السائد لحد الآن، وربما بسببه تعمقت قطيعة المثقف بالأرض التي كان من الواجب أن تُسند خطواته، وكان من حقها عليه أن ينيرَ دروبَها المُعَتَّمَةَ… فلا ثقافة بمفهومها الصحيح دون تلك البنية التحتية التي تنتج الثروة والرخاء لمجموع المواطنين، حتى ذلك الحد الذي يتقاطع فيه مفهوم "ثقافة" بمفهوم "حضارة"… وأنا أتأمل المفهومين معا، في تقاطعهما والتقائهما في أكثر من موقع، تقف إلى الذهن مقولة صراع الحضارات، صراع الأفكار، صراع المفاهيم
يبدو لي، وأنا أتأمل التاريخ البشري، أن الشعوبَ تعيش منذ القدم عملية غزو متبادل، تقوم به الشعوب القوية (قد تكون متقدمة حضاريا وقد تكون متوحشة) تجاه التجمعات البشرية الضعيفة، أو الأضعف منها (حتى ولو كانت أكثر تقدما من الغزاة)، وطبعا صد الغزاة لا يتم بالأفكار والخطابة وإنشاد القصائد(وإن كانت القصائد والخطابة جزء من عملية التصدي من خلال رفع الهمم)…
حديثا تم الغزو بادعاء نشر الحضارة بين شعوب متخلفة أو متوحشة، ورافقت الجنود أقلام وصلبان وفنون… لكن الغزاة عندما ينسحبون يتركون اللغةَ خلفهم، بكل ما تحمله وترمز إليه كوعاء للحضارة والتاريخ. ليس اللغة وحدها، هناك رموز وبنايات وجسور ومسارح، وكل ما يمكن اعتباره إرثا ثقافيا أو حضاريا… ولا تتوقف عملية الصراع مع المحتل (الذي يكون قد رحل)، إذ تستمر "المواجهة" بأشكال مختلفة، صراع تضطلع الايدولوجيا بجانب كبير منه، سواء الإيديولوجية ذات الحمولة المستنيرة، والتي يمكن اعتبارها نبراسا على درب التحرر والتقدم والديمقراطية، أو تلك التي تمتاح من الماضي السحيق وتعمل على العودة لما كان عليه السلف الصالح، فيصبح الصراع بثلاثة أضلاع، صراع داخلي بين ما هو رجعي وبين ما هو مستورد، وبينهما وبين ثقافة وإيديولوجية المستعمر الذي خرج من الباب ويعمل على الدخول من الشباك
هل انتهت حالة الغزو، في أيامنا هذه؟ اعتقد بأنها أصبحت أكثر شراسة، وبأنها اتخذت أشكالا حربائية، بل أن أحد وجوهها بلغ حدا من الدموية لم تشهد له البشرية مثيلا، دموية جحافل المحتل الأجنبي الذي قد لا تطأ قدماه الأرض، مدعوما بآلة إعلامية قادرة على تزييف الحقائق، ودموية المجموعات المسلحة التي تنصب نفسها وصيا على الرأي والإيمان
المثقف، في ساحتنا المغربية والعربية عموما (إلا قلة قليلة جدا) إما كان تابعا لقبيلته السياسية (الحزب أو التنظيم) أو كان تابعا للنظام الحاكم. في الجهة الأولى يُنَظِّر لمواجهة الثقافة اللاوطنية اللاشعبية التي تتبناها الطبقات المستفيدة من ثروات البلاد(حيث الشطط في استعمال السلطة والجاه لِلاسْتِئْثار بالثروة)، ومثقف السلطة يرفع راية مواجهة الأفكار المستوردة (التي تعني الديمقراطية والاشتراكية ولا تعني أفكار الرأسمال). وإذا كان المثقف المنتمي للأحزاب المعارضة ينظر ويفكر انطلاقا من انتمائه إلى رؤية"واضحة"، فإن مثقف السلطة يجابه من زاوية المصالح الواضحة
ارتباط الثقافة بالتوجه السياسي للسلطة الحاكمة أو للمعارضة له تأثيره القوي على الرؤيا العامة والرؤيا الخاصة للمثقف… هنا يمكننا الحديث عن ما "يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة"، والذي مرده لغياب المشروع المجتمعي الواضح لدى الفرقاء السياسيين الذين كانوا يدفعون بالمثقف لكي يصوغ ويُبَلِّغ فحوى "مشروعهم" إلى القاعدة الشعبية (قاعدة في أغلبها لا تفك الحرف)، السلطة الحاكمة بدورها فقدت ما كان لها من استقلالية نسبية لدخولها كطرف في رأس المال العالمي واستثمارها في الأسواق الدولية، وهو ما يفرض عليها تغيير خطابها، فهي من جهة سلطة ترتكز في عمقها على توظيف واستعمال الخطاب الديني داخليا ومن جهة أخرى – في خطابها مع العالم الغربي- سلطةٌ بواجهة ديمقراطية… المثقف الذي استعملته السلطة وجد نفسه في بلبلة مفاهيمية إذ عليه أن يبرر اختياراتها الداخلية ويطبل ويزمر لمنجازتها أمام هجمات المنظمات الأجنبية… نفس البلبلة أصابت المثقف الحزبي عندما تمت تحالفات بين السلطة الحاكمة والمعارضة،فقد وجد نفسه أمام اشتراكيين يطبقون إملاءات البنك الدولي وينهجون طريقا رأسمالية، ودينيون يخضعون لنفس الإملاءات
المثقف في حاجة لجهة تتبنى إنتاجه الفكري والإبداعي وتترجمه فعلا من أجل تغيير الواقع لصالح المسحوقين، لا أن يتم استعماله في تبيض الممارسات الخاطئة، والدفاع عن هذه القبيلة السياسية أو تلك أو ينافح عن هذا الزعيم أو ذاك… المثقف فرد ولن يكون قوة فاعلة إلا داخل إطارات همها إشاعة الثقافة والفكر وفضح الخلل داخل المجتمع، فمكانه (ككائن مجتمعي) هو اتحادات وروابط الكتاب وغيرها من الإطارات المشابهة…، من هنا يمارس مهامه للتأثير في المجتمع من خلال إنتاج الفكر والثقافة والإبداع والفن، وهذا لا يتعارض مع انتمائه السياسي، على أن يكون هناك ذلك الفرق الواضح بين موقعه كمثقف، له هامش واسع من الاستقلالية والحرية في أن يكون نزيها ومحايدا لاتهمه لومة لائم، وموقفه كحزبي يفرض عليه الالتزام والخضوع إلى رأي الأغلبية حيث يحيد- رغما عنه- عن جادة الصواب إلى الحد الذي يجد فيه المبررات لسحق خصومه وحتى من كانوا للأمس القريب رفاق الدرب… انطلق منذ مدة نقاش حول استقلالية الثقافي عن الحزبي، وكان هناك خلط بين السياسي والحزبي، بين الموقف وبين الانتماء والانضباط
في أجواء يتم استخدام المثقف من طرف السلطة الحاكمة ومن طرف الأحزاب والتجمعات، وكبورجوازي صغير، نجده ضحية للصراع بين القوتين المتصارعتين، وضحية لوضعه الاقتصادي والاجتماعي الذي يضعه قريبا إلى الطبقات الفقيرة (عندما يكون تحت) وقريبا إلى الطبقات الغنية (عندما يكون فوق)، وهي وضعية تذكي عملية الوصولية والتذبذب، إلا في تلك الاستثناءات المنيرة والقوية التي أعطتنا مثقفين ثوريين، من صفوف البورجوازية الصغيرة، والذين غيروا الأوضاع عبر تاريخ الصراع مع السلطة الحاكمة
ساحتنا الثقافية والفكرية أعطت أسماء كبيرة، بلغ صداها أطراف العالم، لكن أين الجهات التي تسترشد الآن بفكرهم وعطائهم، يحضرني الآن عالم المستقبليات الراحل الأستاذ "المهدي المنجرة"، الذي استفادت من علمه واحدة من الدول المتقدمة عالميا، وغيره كثيرون ممن همشنه الدولة وحلفائها. المثقف وحده الذي لا يتمتع بالتفرغ الذي يتمتع به النقابي والحزبي
طبعا لن يتم إصلاح الوضع الثقافي، ومعه السياسي والحقوقي وغيرهما، إلا عندما تملك الأحزاب والدولة مشروعا مجتمعيا يضع في قلب اهتماماته سعادة المواطن وأمنه الصحي والغذائي، وأن تعي كل الأطراف أن أي تقدم يَتَغَيّا الرخاء والسلم لا بد أن تكون الثقافة رافعة لهذه المشاريع، التي قد تختلف فيها السلطة والمعارضة حول بعض الجوانب وتتفق حول رفاهية المواطن، عندها تعالوا اسألوا المثقف

توفيقي بلعيد

الشاعروالناقد توفيقي بلعيد

الشاعروالناقد توفيقي بلعيد
خاص بالمجلة
ــــ ما هو موقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في اهتزاز قيم بعض المثقفين واستشراء الفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
ــــ ما هي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الاعتبار لدور الثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغدا ؟
المثقف، في ساحتنا المغربية والعربية عموما (إلا قلة قليلة جدا) إما كان تابعا لقبيلته السياسية (الحزب أو التنظيم) أو كان تابعا للنظام الحاكم.
تقف هذه الأسئلة كالتهم في وجه المثقف، الذي يعيش في هذه الفترة بالذات عزلته وانحصار تأثيره، يذكي ذلك انصراف الناس إلى أمور أخرى لا علاقة لها بالثقافي، الثقافي كما ترسخ لدينا خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث يشكل الكتاب محورا هاما في نقل المعرفة والتربية والتثقيف، الكتابُ الذي كان الجميع يرجعون إليه، يرجع إليه المسرحي والسينمائي ويرجع إليه الفنانون الآخرون من جميع المشارب والتخصصات. مكانة المثقف، تأثيره في الأحداث، موقعه في المقدمة عند اشتعال الجبهات… هو ما يمكن التساؤل عنه الآن، وليس المثقف ككائن اجتماعي معرض لكل آفات مجتمعه
قبل الجواب عن هذه الأسئلة، التي تجسد قلقا ما، وتحمل اتهامات واضحة للمثقف، لابد أن نحدد المفهوم(مفهوم الثقافي)، وإلا انزلقنا في دروب لن تؤدي بنا سوى باتجاه المتاهة، وتزج بنا في حمأة اللغط الذي يذكيه الخلط بين الأشياء
الثقافي بالنسبة لي هو كل هذا البناء الحضاري بشقيه المادي والمعنوي، بثرواته المادية والروحية، وإلا سنسقط في جريرة الفصل بين البناء التحتي والبناء الفوقي، وهو الأمر السائد لحد الآن، وربما بسببه تعمقت قطيعة المثقف بالأرض التي كان من الواجب أن تُسند خطواته، وكان من حقها عليه أن ينيرَ دروبَها المُعَتَّمَةَ… فلا ثقافة بمفهومها الصحيح دون تلك البنية التحتية التي تنتج الثروة والرخاء لمجموع المواطنين، حتى ذلك الحد الذي يتقاطع فيه مفهوم "ثقافة" بمفهوم "حضارة"… وأنا أتأمل المفهومين معا، في تقاطعهما والتقائهما في أكثر من موقع، تقف إلى الذهن مقولة صراع الحضارات، صراع الأفكار، صراع المفاهيم
يبدو لي، وأنا أتأمل التاريخ البشري، أن الشعوبَ تعيش منذ القدم عملية غزو متبادل، تقوم به الشعوب القوية (قد تكون متقدمة حضاريا وقد تكون متوحشة) تجاه التجمعات البشرية الضعيفة، أو الأضعف منها (حتى ولو كانت أكثر تقدما من الغزاة)، وطبعا صد الغزاة لا يتم بالأفكار والخطابة وإنشاد القصائد(وإن كانت القصائد والخطابة جزء من عملية التصدي من خلال رفع الهمم)…
حديثا تم الغزو بادعاء نشر الحضارة بين شعوب متخلفة أو متوحشة، ورافقت الجنود أقلام وصلبان وفنون… لكن الغزاة عندما ينسحبون يتركون اللغةَ خلفهم، بكل ما تحمله وترمز إليه كوعاء للحضارة والتاريخ. ليس اللغة وحدها، هناك رموز وبنايات وجسور ومسارح، وكل ما يمكن اعتباره إرثا ثقافيا أو حضاريا… ولا تتوقف عملية الصراع مع المحتل (الذي يكون قد رحل)، إذ تستمر "المواجهة" بأشكال مختلفة، صراع تضطلع الايدولوجيا بجانب كبير منه، سواء الإيديولوجية ذات الحمولة المستنيرة، والتي يمكن اعتبارها نبراسا على درب التحرر والتقدم والديمقراطية، أو تلك التي تمتاح من الماضي السحيق وتعمل على العودة لما كان عليه السلف الصالح، فيصبح الصراع بثلاثة أضلاع، صراع داخلي بين ما هو رجعي وبين ما هو مستورد، وبينهما وبين ثقافة وإيديولوجية المستعمر الذي خرج من الباب ويعمل على الدخول من الشباك
هل انتهت حالة الغزو، في أيامنا هذه؟ اعتقد بأنها أصبحت أكثر شراسة، وبأنها اتخذت أشكالا حربائية، بل أن أحد وجوهها بلغ حدا من الدموية لم تشهد له البشرية مثيلا، دموية جحافل المحتل الأجنبي الذي قد لا تطأ قدماه الأرض، مدعوما بآلة إعلامية قادرة على تزييف الحقائق، ودموية المجموعات المسلحة التي تنصب نفسها وصيا على الرأي والإيمان
المثقف، في ساحتنا المغربية والعربية عموما (إلا قلة قليلة جدا) إما كان تابعا لقبيلته السياسية (الحزب أو التنظيم) أو كان تابعا للنظام الحاكم. في الجهة الأولى يُنَظِّر لمواجهة الثقافة اللاوطنية اللاشعبية التي تتبناها الطبقات المستفيدة من ثروات البلاد(حيث الشطط في استعمال السلطة والجاه لِلاسْتِئْثار بالثروة)، ومثقف السلطة يرفع راية مواجهة الأفكار المستوردة (التي تعني الديمقراطية والاشتراكية ولا تعني أفكار الرأسمال). وإذا كان المثقف المنتمي للأحزاب المعارضة ينظر ويفكر انطلاقا من انتمائه إلى رؤية"واضحة"، فإن مثقف السلطة يجابه من زاوية المصالح الواضحة
ارتباط الثقافة بالتوجه السياسي للسلطة الحاكمة أو للمعارضة له تأثيره القوي على الرؤيا العامة والرؤيا الخاصة للمثقف… هنا يمكننا الحديث عن ما "يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة"، والذي مرده لغياب المشروع المجتمعي الواضح لدى الفرقاء السياسيين الذين كانوا يدفعون بالمثقف لكي يصوغ ويُبَلِّغ فحوى "مشروعهم" إلى القاعدة الشعبية (قاعدة في أغلبها لا تفك الحرف)، السلطة الحاكمة بدورها فقدت ما كان لها من استقلالية نسبية لدخولها كطرف في رأس المال العالمي واستثمارها في الأسواق الدولية، وهو ما يفرض عليها تغيير خطابها، فهي من جهة سلطة ترتكز في عمقها على توظيف واستعمال الخطاب الديني داخليا ومن جهة أخرى – في خطابها مع العالم الغربي- سلطةٌ بواجهة ديمقراطية… المثقف الذي استعملته السلطة وجد نفسه في بلبلة مفاهيمية إذ عليه أن يبرر اختياراتها الداخلية ويطبل ويزمر لمنجازتها أمام هجمات المنظمات الأجنبية… نفس البلبلة أصابت المثقف الحزبي عندما تمت تحالفات بين السلطة الحاكمة والمعارضة،فقد وجد نفسه أمام اشتراكيين يطبقون إملاءات البنك الدولي وينهجون طريقا رأسمالية، ودينيون يخضعون لنفس الإملاءات
المثقف في حاجة لجهة تتبنى إنتاجه الفكري والإبداعي وتترجمه فعلا من أجل تغيير الواقع لصالح المسحوقين، لا أن يتم استعماله في تبيض الممارسات الخاطئة، والدفاع عن هذه القبيلة السياسية أو تلك أو ينافح عن هذا الزعيم أو ذاك… المثقف فرد ولن يكون قوة فاعلة إلا داخل إطارات همها إشاعة الثقافة والفكر وفضح الخلل داخل المجتمع، فمكانه (ككائن مجتمعي) هو اتحادات وروابط الكتاب وغيرها من الإطارات المشابهة…، من هنا يمارس مهامه للتأثير في المجتمع من خلال إنتاج الفكر والثقافة والإبداع والفن، وهذا لا يتعارض مع انتمائه السياسي، على أن يكون هناك ذلك الفرق الواضح بين موقعه كمثقف، له هامش واسع من الاستقلالية والحرية في أن يكون نزيها ومحايدا لاتهمه لومة لائم، وموقفه كحزبي يفرض عليه الالتزام والخضوع إلى رأي الأغلبية حيث يحيد- رغما عنه- عن جادة الصواب إلى الحد الذي يجد فيه المبررات لسحق خصومه وحتى من كانوا للأمس القريب رفاق الدرب… انطلق منذ مدة نقاش حول استقلالية الثقافي عن الحزبي، وكان هناك خلط بين السياسي والحزبي، بين الموقف وبين الانتماء والانضباط
في أجواء يتم استخدام المثقف من طرف السلطة الحاكمة ومن طرف الأحزاب والتجمعات، وكبورجوازي صغير، نجده ضحية للصراع بين القوتين المتصارعتين، وضحية لوضعه الاقتصادي والاجتماعي الذي يضعه قريبا إلى الطبقات الفقيرة (عندما يكون تحت) وقريبا إلى الطبقات الغنية (عندما يكون فوق)، وهي وضعية تذكي عملية الوصولية والتذبذب، إلا في تلك الاستثناءات المنيرة والقوية التي أعطتنا مثقفين ثوريين، من صفوف البورجوازية الصغيرة، والذين غيروا الأوضاع عبر تاريخ الصراع مع السلطة الحاكمة
ساحتنا الثقافية والفكرية أعطت أسماء كبيرة، بلغ صداها أطراف العالم، لكن أين الجهات التي تسترشد الآن بفكرهم وعطائهم، يحضرني الآن عالم المستقبليات الراحل الأستاذ "المهدي المنجرة"، الذي استفادت من علمه واحدة من الدول المتقدمة عالميا، وغيره كثيرون ممن همشنه الدولة وحلفائها. المثقف وحده الذي لا يتمتع بالتفرغ الذي يتمتع به النقابي والحزبي
طبعا لن يتم إصلاح الوضع الثقافي، ومعه السياسي والحقوقي وغيرهما، إلا عندما تملك الأحزاب والدولة مشروعا مجتمعيا يضع في قلب اهتماماته سعادة المواطن وأمنه الصحي والغذائي، وأن تعي كل الأطراف أن أي تقدم يَتَغَيّا الرخاء والسلم لا بد أن تكون الثقافة رافعة لهذه المشاريع، التي قد تختلف فيها السلطة والمعارضة حول بعض الجوانب وتتفق حول رفاهية المواطن، عندها تعالوا اسألوا المثقف

توفيقي بلعيد

نشر في : 1:45 م |  من طرف ABDOUHAKKI
عبدالإله بنهدار سيناريست وكاتب مسرحي
خاص بالمجلة
المشهد الثقافي المغربي اليوم يمكن تشبيهه بخشبة عائمة على الماء .. لا هي قادرة على أخذ توازنها ولا هي قادرة على تحديد وجهتها
ــــ ما هو موقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب في البداية  توضيح بعض الأمور
أولا  : الإعلان عن موقف ما غالبا ما يفهم فهما مغلوطا ويظهر صاحبه في الغالب ظهور من يتقمص دور " خالف تعرف "   دون أن تكون له دراية تامة أو موقف محدد من  الموضوع الذي  اتخذ منه ذاك الموقف  فلنتحدث إذن عن " رأي " أو " وجهة نظر" أكثر من حديثنا عن موقف .
ثانيا : اتخاذ موقف قد  يجني على صاحبه بسرعة فائقة من طرف المتلقي .. ذلك أن القارىء  يسهل عليه بسرعة أن يضع صاحب الموقف  في خانة الذين هم  " مع"  أو الذين  هم " ضد " ..
ثالثا : اتخاذ موقف ما تغلب عليه الذاتية أكثر مما تغلب عليه الموضوعية المفترضة أو التحليل العميق لكل ما هو  ثقافي من حولنا .
لكل هذه الأشياء يمكننا القول أننا بصدد " رأي " في المشهد الثقافي المغربي أكثر مما هو " موقف "  من المشهد الثقافي المغربي ..
نعم ! المشهد الثقافي المغربي اليوم يمكن تشبيهه بخشبة عائمة على الماء .. لا هي قادرة على أخذ توازنها ولا هي قادرة على تحديد وجهتها .. فبالأحرى أن تكون قادرة على العوم  أو الغوص ..
 كذلك هي الثقافة في بلدنا اليوم .. إنها تبدو غير متزنة ومن الطبيعي ولأنها كذالك فهي غير وازنة .
فالضبابية وغياب الرؤية في هذه الحالة ليست قدرا أو أمرا حتميا .. بل هي ضبابية يساهم فيها الجميع ويتحمل المسؤولية فيها الجميع ..  نتساءل أين الدور الفعال لاتحاد كتاب المغرب ؟  أين هي الملاحق الثقافية الأسبوعية  التي كان يتسابق لاقتنائها المثقفون .. ؟ والأمثلة عديدة على اليتم الثقافي والفكري والفني الذي نعيشه اليوم رغم التطبيل والتهريج المؤدى عنه مسبقا .
ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين واستشراء الفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
الخلل يكمن  أساسا في النخبة المثقفة إن صح وجاز لنا أن نتحدث عن هذه النخبة في بلدنا أو بلدان العالم الثالث بصفة عامة .. لأن التاريخ يشهد على أن النخبة هي التي غيرت مجرى التاريخ ليس السياسي فحسب بل الكوني بصفة عامة .. العالم والفيلسوف والمبدع والموسيقي والفنان و... و...  هؤلاء هم النخبة .. هم أصحاب الكلمة  العليا ،  ألم يحرق أكثرهم لأنه قال رأيا يخالف فيه رأي الحاكمين المستبدين .. ألم يقتل أغلبهم لأنهم قالوا لا في وجه القهر والظلم والاستبداد ..؟  ألم يُنْفَ بعضهم لأنه جاهر بقوله في وجه جلاديه ومغتصبيه في حين كانت العامة تتفرج وهي غير قادرة على أن تنبس ببنت شفة ..  إذن هذه النخبة المثقفة هي التي لعبت دورا في تحريك البرك الآسنة  .. وكانت في ذلك تهدف إلى الصالح العام وإلى تغيير الإنسان في كل مكان .. لكن حينما تكالبت هذه النخبة اليوم على الفتات وتتسابق لتكون لها مكانة عند  وبين أولي الأمر.. كان من الطبيعي أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه ..
لنوضح أكثر .. في السبعينات على الأقل جيْلنا كان يستفيد من الدروس الخصوصية مجانا في مقرات الأحزاب التي سمت نفسها تقدمية وحداثية و...و...تعطى الدروس لجميع المستويات من الابتدائي إلى الثانوي مجانا  أتذكر  أنه في كل الأحياء التي كانت بها  هذه الأحزاب تُكتب سبورة وتوضعُ أمام باب مقر الحزب ليلتحق بها التلاميذ الذين هم في حاجة إلى مثل هذه الدروس .. وكم استفدنا  يومئذ وتعلمنا على يد أساتذة منتمين إلى هذه الأحزاب اليسارية والتقدمية أساسا  ويعتبر عملهم هذا نضالا.. لم تكن بيدها سلطة بل كانت في صراع دائم مع السلطة المخزنية التي تشجع على جهل أبناء العامة كي يكونوا خدما وعبيدا عند أبناء الخاصة  .. هل هناك حزب من هذه الأحزاب اليوم يقوم بمثل هذا العمل الجبار ..؟
الفساد الثقافي  نابع من فساد النخبة السياسية التي هجرها المثقفون النبلاء عن طيب خاطر وأصبحت النخبة شبه مثقفة هي حاشية النخبة السياسية تستظل بظلها وتعيش على فتاتها ..
ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبارلدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
أي مثقف نزيه يتابع الأمور اليوم عن كثب لا يمكنه إلا أن يجد نفسه  واقعا في " حيص بيص "  إن هو تسرع في التكهن بإيجاد الحل المناسب .. لأن الحلول في مثل هذه المسائل ــ خصوصا التي لها صلة بالفكر ــ ليست وصفة جاهزة .. بل هي عمل ومثابرة وتخطيط بعيد المدى ولا ننتظر أن تعود بالنفع في سنة أو سنتين ..
لنأخذ على سبيل المثال النخبة التي هي اليوم في مراتب القرار ألم يكن أبناؤها من الذين تعلموا على يد أولئك الذين تحدثت عنهم فيما قبل ..؟ هاهم اليوم في مراكز القرار هل يلعبون نفس الدور الذي لعبه أساتذتهم أولائك الذين سهروا على تكوينهم..؟  هل عندهم نفس الشجاعة ونفس الرؤية التي كانت عند أساتذتهم من السياسيين والزعماء الكبار ..؟  ها نحن نرى  اليوم طلبة الأمس عيانا ونسمعهم جهارا وهم يستعملون أسماء أساتذتهم الذين واراهم الثرى فقط من أجل التسول بهم  وهذه إهانة للثقافة وللبلد بله الذين ضحوا من أجل أن يسمو الفكر ورتقي الإنسان المغربي  في هذا البلد.. يحز في النفس فعلا أن تسمع أسماء عمر بنجلون والمهدي بنبركة والمعطي بوعبيد وعلي يعتة والسيد بلال ... و.... .... تلوكها الألسنة لتتسول بها بدلا من أن تقتدي بها  ..
الرهان اليوم على ثقافة جديدة .. ربما قد تسام فيها قنوات أخرى غير قنوات المخزن .. فالمتنفس الوحيد اليوم هو وسائل الاتصال الحديثة المتعددة والمتنوعة التي تراقبها عيون المخزن أكيد  لكنها لا تتحكم فيها ..
 نعم ! نحن متفائلون في المستقبل .. لكن ليس بالسرعة التي يمكن أن نتصورها أو نحلم بها .. لسبب بسيط هو أن الهدم زمنه سريع لكن البناء زمنه بطيء ..  الأمل في الغد قائم لكنه بعيد  بعيد .. ربما ! 


عبدالإله بنهدار سيناريست وكاتب مسرحي

عبدالإله بنهدار سيناريست وكاتب مسرحي
خاص بالمجلة
المشهد الثقافي المغربي اليوم يمكن تشبيهه بخشبة عائمة على الماء .. لا هي قادرة على أخذ توازنها ولا هي قادرة على تحديد وجهتها
ــــ ما هو موقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب في البداية  توضيح بعض الأمور
أولا  : الإعلان عن موقف ما غالبا ما يفهم فهما مغلوطا ويظهر صاحبه في الغالب ظهور من يتقمص دور " خالف تعرف "   دون أن تكون له دراية تامة أو موقف محدد من  الموضوع الذي  اتخذ منه ذاك الموقف  فلنتحدث إذن عن " رأي " أو " وجهة نظر" أكثر من حديثنا عن موقف .
ثانيا : اتخاذ موقف قد  يجني على صاحبه بسرعة فائقة من طرف المتلقي .. ذلك أن القارىء  يسهل عليه بسرعة أن يضع صاحب الموقف  في خانة الذين هم  " مع"  أو الذين  هم " ضد " ..
ثالثا : اتخاذ موقف ما تغلب عليه الذاتية أكثر مما تغلب عليه الموضوعية المفترضة أو التحليل العميق لكل ما هو  ثقافي من حولنا .
لكل هذه الأشياء يمكننا القول أننا بصدد " رأي " في المشهد الثقافي المغربي أكثر مما هو " موقف "  من المشهد الثقافي المغربي ..
نعم ! المشهد الثقافي المغربي اليوم يمكن تشبيهه بخشبة عائمة على الماء .. لا هي قادرة على أخذ توازنها ولا هي قادرة على تحديد وجهتها .. فبالأحرى أن تكون قادرة على العوم  أو الغوص ..
 كذلك هي الثقافة في بلدنا اليوم .. إنها تبدو غير متزنة ومن الطبيعي ولأنها كذالك فهي غير وازنة .
فالضبابية وغياب الرؤية في هذه الحالة ليست قدرا أو أمرا حتميا .. بل هي ضبابية يساهم فيها الجميع ويتحمل المسؤولية فيها الجميع ..  نتساءل أين الدور الفعال لاتحاد كتاب المغرب ؟  أين هي الملاحق الثقافية الأسبوعية  التي كان يتسابق لاقتنائها المثقفون .. ؟ والأمثلة عديدة على اليتم الثقافي والفكري والفني الذي نعيشه اليوم رغم التطبيل والتهريج المؤدى عنه مسبقا .
ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين واستشراء الفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
الخلل يكمن  أساسا في النخبة المثقفة إن صح وجاز لنا أن نتحدث عن هذه النخبة في بلدنا أو بلدان العالم الثالث بصفة عامة .. لأن التاريخ يشهد على أن النخبة هي التي غيرت مجرى التاريخ ليس السياسي فحسب بل الكوني بصفة عامة .. العالم والفيلسوف والمبدع والموسيقي والفنان و... و...  هؤلاء هم النخبة .. هم أصحاب الكلمة  العليا ،  ألم يحرق أكثرهم لأنه قال رأيا يخالف فيه رأي الحاكمين المستبدين .. ألم يقتل أغلبهم لأنهم قالوا لا في وجه القهر والظلم والاستبداد ..؟  ألم يُنْفَ بعضهم لأنه جاهر بقوله في وجه جلاديه ومغتصبيه في حين كانت العامة تتفرج وهي غير قادرة على أن تنبس ببنت شفة ..  إذن هذه النخبة المثقفة هي التي لعبت دورا في تحريك البرك الآسنة  .. وكانت في ذلك تهدف إلى الصالح العام وإلى تغيير الإنسان في كل مكان .. لكن حينما تكالبت هذه النخبة اليوم على الفتات وتتسابق لتكون لها مكانة عند  وبين أولي الأمر.. كان من الطبيعي أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه ..
لنوضح أكثر .. في السبعينات على الأقل جيْلنا كان يستفيد من الدروس الخصوصية مجانا في مقرات الأحزاب التي سمت نفسها تقدمية وحداثية و...و...تعطى الدروس لجميع المستويات من الابتدائي إلى الثانوي مجانا  أتذكر  أنه في كل الأحياء التي كانت بها  هذه الأحزاب تُكتب سبورة وتوضعُ أمام باب مقر الحزب ليلتحق بها التلاميذ الذين هم في حاجة إلى مثل هذه الدروس .. وكم استفدنا  يومئذ وتعلمنا على يد أساتذة منتمين إلى هذه الأحزاب اليسارية والتقدمية أساسا  ويعتبر عملهم هذا نضالا.. لم تكن بيدها سلطة بل كانت في صراع دائم مع السلطة المخزنية التي تشجع على جهل أبناء العامة كي يكونوا خدما وعبيدا عند أبناء الخاصة  .. هل هناك حزب من هذه الأحزاب اليوم يقوم بمثل هذا العمل الجبار ..؟
الفساد الثقافي  نابع من فساد النخبة السياسية التي هجرها المثقفون النبلاء عن طيب خاطر وأصبحت النخبة شبه مثقفة هي حاشية النخبة السياسية تستظل بظلها وتعيش على فتاتها ..
ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبارلدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
أي مثقف نزيه يتابع الأمور اليوم عن كثب لا يمكنه إلا أن يجد نفسه  واقعا في " حيص بيص "  إن هو تسرع في التكهن بإيجاد الحل المناسب .. لأن الحلول في مثل هذه المسائل ــ خصوصا التي لها صلة بالفكر ــ ليست وصفة جاهزة .. بل هي عمل ومثابرة وتخطيط بعيد المدى ولا ننتظر أن تعود بالنفع في سنة أو سنتين ..
لنأخذ على سبيل المثال النخبة التي هي اليوم في مراتب القرار ألم يكن أبناؤها من الذين تعلموا على يد أولئك الذين تحدثت عنهم فيما قبل ..؟ هاهم اليوم في مراكز القرار هل يلعبون نفس الدور الذي لعبه أساتذتهم أولائك الذين سهروا على تكوينهم..؟  هل عندهم نفس الشجاعة ونفس الرؤية التي كانت عند أساتذتهم من السياسيين والزعماء الكبار ..؟  ها نحن نرى  اليوم طلبة الأمس عيانا ونسمعهم جهارا وهم يستعملون أسماء أساتذتهم الذين واراهم الثرى فقط من أجل التسول بهم  وهذه إهانة للثقافة وللبلد بله الذين ضحوا من أجل أن يسمو الفكر ورتقي الإنسان المغربي  في هذا البلد.. يحز في النفس فعلا أن تسمع أسماء عمر بنجلون والمهدي بنبركة والمعطي بوعبيد وعلي يعتة والسيد بلال ... و.... .... تلوكها الألسنة لتتسول بها بدلا من أن تقتدي بها  ..
الرهان اليوم على ثقافة جديدة .. ربما قد تسام فيها قنوات أخرى غير قنوات المخزن .. فالمتنفس الوحيد اليوم هو وسائل الاتصال الحديثة المتعددة والمتنوعة التي تراقبها عيون المخزن أكيد  لكنها لا تتحكم فيها ..
 نعم ! نحن متفائلون في المستقبل .. لكن ليس بالسرعة التي يمكن أن نتصورها أو نحلم بها .. لسبب بسيط هو أن الهدم زمنه سريع لكن البناء زمنه بطيء ..  الأمل في الغد قائم لكنه بعيد  بعيد .. ربما ! 


نشر في : 11:31 ص |  من طرف ABDOUHAKKI
الناقد عبدالله شريق
ورغم أن كثيرا من مثقفينا وكتابنا يدافعون عن قيم الحداثة فإن كثيرا منهم يقوم بسلوكات و تصرفات لا حداثية
خاص بالمجلة
إن طرح  موضوع الثقافة والمثقفين بالمغرب للتداول والنقاش من الضرورات الملحة في المرحلة الراهنة ، نظرا لحالة التشتت والضبابية التي يتسم بها الوضع الثقافي الراهن في المغرب وحالة التشنج  والفوضى وتبادل الإتهامات السائدة في العلاقة بين كثير من الكتاب و المثقفين المغاربة فضلا عن السلبية و الإنتهازية التي تتصف بها سلوكات بعضهم وانسحاب كثير منهم من ساحة النضال الثقافي ومواجهة تحديات التيارات المعاكسة لحركة التقدم والتحول، ما يجعل الثقافة المغربية  تعاني مرحليا  من خلل ما ، برغم ما تعرفه من تنوع و غنى في الكتابة و الإنتاج والنشر. والكثير من المؤسسات الجامعية والمعاهد و الجمعيات  الثقافية الوطنية والجهوية  أصبح أداؤها ضعيفا أو باهتا ، فضلا عن عدم تحمل وزارة الثقافة لمسؤوليتها في بلورة استراتيجية وطنية شاملة حول الثقافة و العمل الثقافي من خلال تنظيم حواروطني شامل حول الثقافة المغربية تشارك في جميع الأطراف المعنية على غرار المناظرة الوطنية التي نظمها اتحاد كتاب المغرب مؤخرا بطنجة .  
فنحن كثيرا ما نتحدث ونكتب عن الحداثة في مجال  الثقافة و الأدب لكننا لا نطبق قيم الحداثة في علاقاتنا و سلوكاتنا وتدبيرنا لمؤسساتنا وجمعياتنا الثقافية. ورغم أن كثيرا من مثقفينا وكتابنا يدافعون عن قيم الحداثة فإن كثيرا منهم يقوم بسلوكات و تصرفات لا حداثية ، وبعضهم مازال يحمل بعض رواسب الفكر التقليدي والقبلي المتخلف . والناس و المهتمون  العاديون كثيرا ما ينتقدون الكتاب و المثقفين  بسبب ذلك وخاصة حين يقرأون في الصحف عن الصراعات الذاتية بين بعض الكتاب ، وعن بعض مظاهر التعصب والأنانية والزبونية و السلوك اللامدني وعن التدبيراللاديموقراطي واللاحداثي لبعض المؤسسات الثقافية و لبعض لجن الجوائزالثقافية الوطنية. إن الحداثة لا تعني فقط الدعوة نظريا إلى الديموقراطية والحرية و المساواة و العقلانية والعلم وحقوق الإنسان ، وإنما تعني أيضا الصدق و الأمانة و التسامح والنزاهة وتقبل النقد و ممارسة النقد الذاتي والإلتزام بالقيم الأخلاقية الحداثية والإنسانية ، مع  ضرورة الإيمان بالحق في الإختلاف وبالتعدد  والحوار الموضوعي المثمروالرصين، وليس الكذب  والحقد والأنانية والإستبداد بالرأي والتهجم على الآخرين . إنها فعلا من مظاهر اهتزاز القيم ، تساهم فيها للأسف فئة ممن ينبغي أن يكونوا من حراس القيم .
إضافة إلى ظاهرة انسحاب الكثيرمن المثقفين والأدباء من الواقع الإجتماعي و السياسي وانعزالهم و تقوقعهم في هذه المرحلة التي تتطلب حضورهم ومشاركتهم في ما يقع من أحداث و كوارث أحيانا ، ليس في المغرب فحسب بل في العالم العربي ككل . إن الوضع العربي الراهن يتطلب القيام بعملية إعادة نظر في وظيفة المثقف و الخطاب الثقافي  ، ضمن حركة الدعوة إلى عودة المثقفين و الأدباء إلى الواقع و الميدان وتحمل مسؤولياتهم في مواجهة تيارات النكوص والتخلف و الغلو والعنف التي تروج لقيم وسلوكات مضادة لقيم التسامح و الديموقراطية و العقلانية ، مع ضرورة الكشف عن مخاطر هذه السلوكات والمواقف ونقدها أمام حالة التردي و التشتت والضياع والتقاتل واختلاط واضطراب القيم في العالم العربي، حتى لا تبقى الساحة فارغة لهذه الدعوات  النكوصية التي أصبحت تؤثر في قطاعات عريضة من مجتمعاتنا... قطاعات لا تملك الوعي النقدي ولا تدرك خطورة  هذا التوجه ومنافاته  لحقيقة المواقف المتنورة في تراثنا الثقافي و الديني و الحضاري ...نحن في أشد الحاجة اليوم إلى مناضلين ثقافيين ومثقفين عضويين يتصفون بالنزاهة والإلتزام والإنخراط الفعال في قضايا الواقع و مشاكل المجتمع .
وقد بلورت الثقافة المغربية الحديثة، في المراحل السابقة ، خلال  مشاركتها و انخراطها في صراعات و تحولات الواقع الإجتماعي و السياسي ، مواقف حداثية هامة مضادة لما هو سائد في الواقع في كثيرمن المجالات ، حسب ما تطلبته المراحل التاريخية التي مر بها المغرب في العصر الحديث  ، بدءا من الدعوة إلى الوحدة الوطنية و مقاومة الإستعمارو التحررمن الفكر الخرافي ونشر التعليم و تعليم المرأة ، مرورا بالدعوة إلى التغيير الإشتراكي و الديموقراطي ومواجهة قيم االقهر و الظلم و الإستغلال الرأسمالي ، وصولا إلى الدعوة للحداثة والديموقراطية و حقوق الإنسان وحرية المرأة وقيم التسامح و الإنفتاح الفكري و الحضاري .  الأمة العربية اليوم تعاني أزمة قيم وأزمة فكر ابتعد عن قيم العقلانية واالديموقراطية. وهي في أشد الحاجة، كما يقول سعيد بن سعيد العلوي، إلى  " ثورة لا في واقع الوجود المادي الملموس، بل ثورة في العقل العربي ذاته، في البنيات الذهنية التي يفكر بها العرب و يتعاملون بواستطها مع واقعهم الحالي (...) . لا يمكن للعرب أن يقتحموا ، بصورة فعلية ، عالم المعاصرة وأن يحققوا الإنطلاقة المنشودة بدون العمل على تحقيق الحداثة في بنية العقل العربي أولا وأساسا " (1) ، بموازاة مع عملية تحديث العلاقات الإجتماعية و السياسية وبناء المجتمع المدني . إن تحديث العقول و الذهنيات عملية أولى و ضرورية لتحديث العلاقات الإجتماعية و السياسية و الثقافية، ولبناء العمل الثقافي على أساس قيم العقلانية والديموقراطية والحوار والتعددية .
هــامــش

1ـ سعيد بنسعيد العلوي : الإيديولوجيا و الحداثة/ قراءات في الفكر العربي المعاصرـ المركز الثقافي العربي ـ  ط1/ 1978 ـ ص :61ـ62

الناقد عبدالله شريق

الناقد عبدالله شريق
ورغم أن كثيرا من مثقفينا وكتابنا يدافعون عن قيم الحداثة فإن كثيرا منهم يقوم بسلوكات و تصرفات لا حداثية
خاص بالمجلة
إن طرح  موضوع الثقافة والمثقفين بالمغرب للتداول والنقاش من الضرورات الملحة في المرحلة الراهنة ، نظرا لحالة التشتت والضبابية التي يتسم بها الوضع الثقافي الراهن في المغرب وحالة التشنج  والفوضى وتبادل الإتهامات السائدة في العلاقة بين كثير من الكتاب و المثقفين المغاربة فضلا عن السلبية و الإنتهازية التي تتصف بها سلوكات بعضهم وانسحاب كثير منهم من ساحة النضال الثقافي ومواجهة تحديات التيارات المعاكسة لحركة التقدم والتحول، ما يجعل الثقافة المغربية  تعاني مرحليا  من خلل ما ، برغم ما تعرفه من تنوع و غنى في الكتابة و الإنتاج والنشر. والكثير من المؤسسات الجامعية والمعاهد و الجمعيات  الثقافية الوطنية والجهوية  أصبح أداؤها ضعيفا أو باهتا ، فضلا عن عدم تحمل وزارة الثقافة لمسؤوليتها في بلورة استراتيجية وطنية شاملة حول الثقافة و العمل الثقافي من خلال تنظيم حواروطني شامل حول الثقافة المغربية تشارك في جميع الأطراف المعنية على غرار المناظرة الوطنية التي نظمها اتحاد كتاب المغرب مؤخرا بطنجة .  
فنحن كثيرا ما نتحدث ونكتب عن الحداثة في مجال  الثقافة و الأدب لكننا لا نطبق قيم الحداثة في علاقاتنا و سلوكاتنا وتدبيرنا لمؤسساتنا وجمعياتنا الثقافية. ورغم أن كثيرا من مثقفينا وكتابنا يدافعون عن قيم الحداثة فإن كثيرا منهم يقوم بسلوكات و تصرفات لا حداثية ، وبعضهم مازال يحمل بعض رواسب الفكر التقليدي والقبلي المتخلف . والناس و المهتمون  العاديون كثيرا ما ينتقدون الكتاب و المثقفين  بسبب ذلك وخاصة حين يقرأون في الصحف عن الصراعات الذاتية بين بعض الكتاب ، وعن بعض مظاهر التعصب والأنانية والزبونية و السلوك اللامدني وعن التدبيراللاديموقراطي واللاحداثي لبعض المؤسسات الثقافية و لبعض لجن الجوائزالثقافية الوطنية. إن الحداثة لا تعني فقط الدعوة نظريا إلى الديموقراطية والحرية و المساواة و العقلانية والعلم وحقوق الإنسان ، وإنما تعني أيضا الصدق و الأمانة و التسامح والنزاهة وتقبل النقد و ممارسة النقد الذاتي والإلتزام بالقيم الأخلاقية الحداثية والإنسانية ، مع  ضرورة الإيمان بالحق في الإختلاف وبالتعدد  والحوار الموضوعي المثمروالرصين، وليس الكذب  والحقد والأنانية والإستبداد بالرأي والتهجم على الآخرين . إنها فعلا من مظاهر اهتزاز القيم ، تساهم فيها للأسف فئة ممن ينبغي أن يكونوا من حراس القيم .
إضافة إلى ظاهرة انسحاب الكثيرمن المثقفين والأدباء من الواقع الإجتماعي و السياسي وانعزالهم و تقوقعهم في هذه المرحلة التي تتطلب حضورهم ومشاركتهم في ما يقع من أحداث و كوارث أحيانا ، ليس في المغرب فحسب بل في العالم العربي ككل . إن الوضع العربي الراهن يتطلب القيام بعملية إعادة نظر في وظيفة المثقف و الخطاب الثقافي  ، ضمن حركة الدعوة إلى عودة المثقفين و الأدباء إلى الواقع و الميدان وتحمل مسؤولياتهم في مواجهة تيارات النكوص والتخلف و الغلو والعنف التي تروج لقيم وسلوكات مضادة لقيم التسامح و الديموقراطية و العقلانية ، مع ضرورة الكشف عن مخاطر هذه السلوكات والمواقف ونقدها أمام حالة التردي و التشتت والضياع والتقاتل واختلاط واضطراب القيم في العالم العربي، حتى لا تبقى الساحة فارغة لهذه الدعوات  النكوصية التي أصبحت تؤثر في قطاعات عريضة من مجتمعاتنا... قطاعات لا تملك الوعي النقدي ولا تدرك خطورة  هذا التوجه ومنافاته  لحقيقة المواقف المتنورة في تراثنا الثقافي و الديني و الحضاري ...نحن في أشد الحاجة اليوم إلى مناضلين ثقافيين ومثقفين عضويين يتصفون بالنزاهة والإلتزام والإنخراط الفعال في قضايا الواقع و مشاكل المجتمع .
وقد بلورت الثقافة المغربية الحديثة، في المراحل السابقة ، خلال  مشاركتها و انخراطها في صراعات و تحولات الواقع الإجتماعي و السياسي ، مواقف حداثية هامة مضادة لما هو سائد في الواقع في كثيرمن المجالات ، حسب ما تطلبته المراحل التاريخية التي مر بها المغرب في العصر الحديث  ، بدءا من الدعوة إلى الوحدة الوطنية و مقاومة الإستعمارو التحررمن الفكر الخرافي ونشر التعليم و تعليم المرأة ، مرورا بالدعوة إلى التغيير الإشتراكي و الديموقراطي ومواجهة قيم االقهر و الظلم و الإستغلال الرأسمالي ، وصولا إلى الدعوة للحداثة والديموقراطية و حقوق الإنسان وحرية المرأة وقيم التسامح و الإنفتاح الفكري و الحضاري .  الأمة العربية اليوم تعاني أزمة قيم وأزمة فكر ابتعد عن قيم العقلانية واالديموقراطية. وهي في أشد الحاجة، كما يقول سعيد بن سعيد العلوي، إلى  " ثورة لا في واقع الوجود المادي الملموس، بل ثورة في العقل العربي ذاته، في البنيات الذهنية التي يفكر بها العرب و يتعاملون بواستطها مع واقعهم الحالي (...) . لا يمكن للعرب أن يقتحموا ، بصورة فعلية ، عالم المعاصرة وأن يحققوا الإنطلاقة المنشودة بدون العمل على تحقيق الحداثة في بنية العقل العربي أولا وأساسا " (1) ، بموازاة مع عملية تحديث العلاقات الإجتماعية و السياسية وبناء المجتمع المدني . إن تحديث العقول و الذهنيات عملية أولى و ضرورية لتحديث العلاقات الإجتماعية و السياسية و الثقافية، ولبناء العمل الثقافي على أساس قيم العقلانية والديموقراطية والحوار والتعددية .
هــامــش

1ـ سعيد بنسعيد العلوي : الإيديولوجيا و الحداثة/ قراءات في الفكر العربي المعاصرـ المركز الثقافي العربي ـ  ط1/ 1978 ـ ص :61ـ62

نشر في : 10:05 ص |  من طرف ABDOUHAKKI

اخبار الأدب والثقافة

الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحريرــ الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحرير back to top