الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالتسجيلدخول

  • خاص بالمجلة

    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل أعد التقرير: عبده حقي

  • خاص بالموقع

    ملف : الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل

  • خاص بالموقع

    الشاعرة مالكى العاصمي

  • خاص بالموقع

    الإعلامي والكاتب :محمد أديب السلاوي

  • خاص بالموقع

    عبد الجليل طليمات

  • خاص بالموقع

    الدكتورعبدالسلام فزازي

  • خاص بالموقع

    الدكتور مصطفى الغرافي

  • خاص بالموقع

    الشاعروالناقد أحمد العمراوي

  • خاص بالموقع

    الشاعروالناقد توفيقي بلعيد

  • خاص بالموقع

    الناقد عبدالله شريق

  • خاص بالموقع

    القاص إدريس الصغير

  • خاص بالموقع

    الناقد محمـــــد أقضـــــاض

  • خاص بالموقع

    عبد الإله الحمدوشي روائي وكاتب سيناريو

  • خاص بالموقع

    الدكتور خالد التوزاني

  • خاص بالموقع

    الوضع الثقافي بالمغرب ....انتهى زمن العرافات عبد الإله بسكمار

  • خاص بالموقع

    الدكتورأحمد الطالحي

  • خاص بالموقع

    الناقد فريد أمعضشـو

  • خاص بالموقع

    الدكتورالمهدي لعرج قاص وناقد

  • خاص بالموقع

    الناقد والقاص حميد ركاطة

  • خاص بالموقع

    عبد المجيد طعام

  • خاص بالموقع

    عادل الامين كاتب سوداني مقيم في اليمن

  • خاص بالموقع

    عبدالإله بنهدار سيناريست وكاتب مسرحي

  • خاص بالموقع

    محمد خشلة ممثل ومخرج مسرحي

  • خاص بالموقع

    الكاتب محمد بقوح

  • خاص بالموقع

    أحمد الشيخاوي/شاعر من المغرب

  • خاص بالموقع

    إدريس حافظ الطلبي

  • خاص بالموقع

    القاص إدريس الواغيش

  • خاص بالموقع

    سعيد منتاق

  • الأحد، 15 مارس 2015

    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل
    أعد التقرير: عبده حقي
    في إطارإعداد ملفاتها الدورية ومواكبتها لما يعتمل في الساحة الثقافية المغربية أنجزت مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية ملفا تحت عنوان عريض هو (الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل) راصدة من خلال مشاركات العديد من المثقفين فيه واقع المشهد الثقافي الذي عرف عدة أحداث هامة منذ مطلع السنة الحالية 2015 تتعلق بداية بالمناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي جرت فعالياتها يومي الجمعة والسبت 9 و10 يناير 2015 بمدينة طنجة تحت إشراف اتحاد كتاب المغرب والحضوراللافت والدال للعديد من المؤسسات والفاعليات الفكرية والثقافية كوزارة الثقافة وتنظيم الدورة الواحدة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدارالبيضاء ما بين 13 و 21 من شهر فبرايرالفارط بمشاركة 750 ناشرا من 44 دولة ثم ما تلى هاذين الحدثين من جدل ساخن حول حجب جائزة المغرب للكتاب بعد أن سحب الشاعر محمد بنطلحة ديوانه «أخسر السماء وأربح الأرض» وما أعقب ذلك من بلاغات وبيانات خرج بها إلى العلن عبرالصحافة الورقية والإلكترونية بعض أعضاء اللجنة تجلت بداية بمقال توضيحي لأحمد عصيد بسط فيه أسباب حجب الجائزة ، ثم تلته ردود أخرى وهي عبارة عن مقالات لكل من ياسين عدنان وحسن مخافي ، تلك الردود التي عرفت تشهيرا ثقافيا بامتياز تجلى في التراشق بينهما بالإتهامات والتواطؤات والكشف عن العورات  ...
    فضائح أخرى كشف عنها أيضا مقال الصحفي سليمان الريسوني الصادر بجريدة المساء بتاريخ 16 فبراير2015  تمثلت أولاها في توجّيه عضو بارز داخل المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب ، رسالة ًإلى عضو آخر يُحذره فيها من تكرار فعل اصطحاب عشيقته إلى أحد فنادق الرباط على حساب مالية "الاتحاد" وفضيحة ثانية كشف عنها نفس المقال تتحدث كيف أن عضوا في الإتحاد عرض على عضوآخر ليكون ضمن لجنة تحكيم جائزة اتحاد كتاب المغرب للروائيين الشباب، من دون أن يسلمه ولا واحدة من الروايات المتنافسة لقراءتها ، إلى أن فوجئ هذا العضوالمدعو باستدعائه إلى حفل تسليم الجوائز، حيث تليت أسماء أعضاء لجنة التحكيم، وكان إسمه من ضمنها ! وكانت آخرالزلازل التي رجت المشهد الثقافي بالمغرب إنسحاب ستة وعشرون عضوا من إتحاد كتاب المغرب وعزا هؤلاء الأعضاء إنسحابهم إلى (سبب تحويل دورالمنظمة الطبيعي، والعبث برصيدها التاريخي، لأجل تحقيق مكاسب شخصية ضيقة، مع مراكمة الأخطاء التسييرية والطيش ، غير المسبوق ، في إبداء المواقف الفاقدة للعمق وللصدى والشرعية القاعدية...)  كما جاء في البلاغ الأول لمجموعة المنسحبين التي أطلقت على نفسها إسم (القادمون) والتي ضمت خمسة عشر عضوا إلتحق بهم تسعة أعضاء آخرون في بلاغ نهائي نشربتاريخ 12 مارس تحت عنوان (انسحاب لا انشقاق).
    ومن نافلة القول أن زوبعة هذا الإنسحاب كانت حتما ومن المتوقع أن تدفع برئيس الإتحاد عبدالرحيم العلام للخروج عن صمته والإعلان في بلاغ خاص تحت عنوان (القادمون ... إلى الانسحاب) ومن بين ماجاء فيه (لا يسعني سوى أن أحترم شخصيا رغبة هؤلاء الأعضاء، فلربما أحس بعضهم بأن انتماءه إلى الاتحاد لم يعد يشرفه، إذ يوجد من بينهم من لم يكتب، في حياته، ولا مقالا واحدا في الثقافة ولا أصدر كتابا حتى، فكيف يصمد أمام اتحاد يغتني بتراكم أعضائه وبحضورهم المشرف... فقط أنا لم أفهم، معنى الانسحاب... فالقانون الأساسي للاتحاد ينص على الاستقالة، لكن ربما هي مسافة اللا انتماء التي لم تعد تسمح للبعض بأن يواكب اليوم تجدد الاتحاد، وتغير العالم...  شيء مؤسف حقيقة، لكن النضالات الحقيقية تتم من داخل الاتحاد وفي مؤتمراته، وليس بالبهتان والافتراء والكذب والجحود والوصاية، من لدن أشخاص يعرفون بالاصطياد في الماء العكر، وبتغيير بوصلة أخلاقهم حسب المنافع... )
    هذه إذن وباختصار راصد هي بعض الأحداث الكهروثقافية منها الصادمة ومنها العابرة خفية خلف أستارالكواليس ومن تحت الموائد ...
    في ظل هذا الهيجان وإغناءا لدائرة الحواروالنقاش أعدت مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية ملفها الخامس عشر في محور (الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل )  من من إعداد وتقديم مديرالمجلة الكاتب والإعلامي عبده حقي .
    ولتأطيرالملف بعيدا عن أي توجيه ملغوم أو نوايا مبيتة وحسابات مغرضة فقد تركزت محاورالنقاش حول ثلاثة أسئلة مركزية ومحدودة هي :
    1ــــ ماهوموقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
    2ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهرالفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
    2ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبارلدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
    وجريا على عادتها فقد تم توجيه دعوات خاصة إلى العديد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين ، كما فتح باب المشاركة على مصراعيه عبر توجيه رسائل إلكترونية جماعية إلى كل من يهمهم واقع ومستقبل الثقافة بالمغرب ، وتبين مما لايدع مجالا للشك أن الكثيرمن المثقفين ربما شعروا بأن المشاركة في هذا الملف من خلال الإجابة عن أسئلته المحورية لاتختلف في شكل عن السير في حقل من الألغام وأن مناقشة محاوره الساخنة والجريئة تحتاج إما إلى درجة عالية من الشجاعة الفكرية والثقافية مهما تكن فداحة الخسائر الشخصية على مستوى المكاسب والعلاقات والمصالح في المستقبل أو تحتاج في جانب آخر إلى لغة ديبلوماسية خشبية لن تجدي نفعا في النقاش ولن تأت برؤية واضحة قد تنقذ ما يمكن إنقاذه في الوضع الكارثي السوداوي للمشهد الثقافي الذي بسطنا بعض صوره السريالية في هذا التقريرأعلاه .
    إن قراءة إختزالية للآراء الواردة في هذا الملف الذي آلف بين سبعة وعشرين مشاركا من بينهم صوت نسائي واحد ويتعلق الأمر بالشاعرة القديرة مالكة العاصمي . هاته القراءة الشمولية تكشف بجلاء عن شعور بالتذمر والإنتفاض العارم ضد ما حصل ويحصل في الحقل الثقافي المغربي ، فالشاعرة ترى أن المشهد الثقافي مأزوم في العالم لأن هناك ثقافة فاسدة موازية تريد أن تهيمن، وتعمل جاهدة على ابتلاع ما يناقضها وترى الشاعرة كذلك أن ضبابية المشهد الثقافي المغربي هي من ضبابية المثقفين وغياب الرؤية الواضحة لديهم كما يقول المثل العربي: (كما تكونون يولى عليكم) .
    من جهته يرى القاص إدريس الصغير وهو من جيل كتاب السبعينات أن الضبابية في الثقافة المغربية ليست وليدة الحاضر, بل هي متجذرة في واقعنا الثقافي ، انها ظلامية دامسة عمياء ,عايشها القاص كما يقول منذ بدأ نشر أعماله على مدى خمسين سنة ...
    أما الأستاذ الباحث في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية الدكتورأحمد الطالحي فيرى أن الخلل الذي يعاني منه الفضاء الثقافي المغربي والعربي عموما، مرده بالأساس إلى غياب مشروع ثقافي وطني، الذي بدوره يرجع إلى عدم الاجماع على الهوية الوطنية أو عدم الالتزام بالهوية التي سطرها الدستور الجديد. وما لم نعالج هذه المسألة بالحوار وبالأساليب الحضارية، ستستمر الارتجالية والعشوائية تطبع حركتنا الثقافية ومنتوجنا الثقافي.
    وجوابا على سؤالنا أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في اهتزاز قيم بعض المثقفين واستشراء الفساد الثقافي أم فيهما معا ؟ فالقاص والناقد الدكتورالمهدي لعرج يجيب عن هذا السؤال قائلا : أن الفساد هومنظومة متكاملة وبنية متواشجة، تشتغل مثلما تشتغل كل منظومة وديناميتها مثل دينامية أية بنية. والسياسة الثقافية بشكل عام في تصوره تقوم على الكثير من المحاباة والنفاق ويرى أن هناك وضعا موروثا من الصعب على أي وزير للثقافة أن يدبره من غير أن يجر على نفسه الكثير من المكائد والويلات ... ويضيف في نفس المشاركة أن بعض المثقفين مع الأسف لا يؤمنون بالرصيد الثقافي الذي يمكن أن يكونوه بعرق جبينهم ويعتزوا به، أو تذكره الأجيال لهم. ولكنهم إنما يميلون حيث مالت ريح السلطة والنفوذ والجاه.
    صوت عربي واحد آثر إلا أن يشارك في هذا الملف من خارج واقعه الجغرافي المتلاطم ربما من بدافع الغيرة على صحة وعافية الثقافة المغربية باعتبارها رافدا أساسيا في الثقافة العربية وأيضا إعترافا بفضل المغرب على الأصعدة الفكرية والعلمية والثقافية على العديد من الكتاب الذين عبروا منه لطلب العلم والتكوين الأكاديمي أوالذين فضلوا الإقامة النهائية على أرضه المضيافة والكريمة مثل الصحفي المشهور طلحة جبريل والشاعرالكبيرأحمد الفيتوري وغيرهما . الأمرفي هذا الملف يتعلق بالكاتب السوداني المقيم باليمن عادل الامين الذي عبرعن موقفه بصراحة نادرة عما يعتمل في المشهد الثقافي المغربي وبرؤية نقدية جريئة حين قال إن الخلل مزدوج يكمن في مؤسسات الثقافة نفسها وإرثها القديم والممل وقتلها للعمل الإبداعي  وعدم دعم القطاع الخاص والرأسمالية الوطنية للثقافة...ويرى أن الشق الآخر في أزمة الثقافة المغربية سيكولجي يتعلق بالحرس القديم والنرجسية وسدهم للمنافذ للشباب  والإبداع الجديد والجيل الصاعد  وإبداع الهامش والهويات الصغرى  وعدم ايمان بعض المثقفين بالقيم العليا من ديمقراطية واشتراكية  ودولة مدنية  وتمجيدهم لأصنام المركز العربي لقديم...وعدم انفتاحهم على الفكر الإفريقي والقارة السمراء التي هم جزء منها.
    الروائي والسيناريست عبدالإله الحمدوشي الذي حازمؤخرا على جائزة أحسن سيناريو في مهرجان كاليفورنيا العالمي عن فيلم "خلف الأبواب " من إخراج محمد عهد بنسودة يرى من جانبه أن السياسة الثقافية الخاطئة تخلق لنا مثقفين فاسدين ، ونعني بالمثقف الفاسد ، ذلك الذي ينتج الثقافة لمصلحة شخصية ومن  أجل منفعة ذاتية ولا يؤمن بما ينتجه ، بل ينتج ما يرضي أولياء نعمته .. ولاحظ أن الولاء الثقافي لم يعد مقتصرا كما  في السابق  على المخزن  ، بل صار مرتبطا بأصحاب المال أو بأحزاب أو منظمات تؤمن للمثقف المنتمي الحماية الانتهازية لكي توصله الى المنابر العليا والى احتلال أماكن مهمة في سلم الامتيازات ..هذا المثقف الانتهازي الفاسد مع الأسف في نظر نظر عبد الإله الحمدوشي هو في الغالب شخص فارغ  وغير مبدع ومدع  كبير  ، ينتج ثقافة ضعيفة وسطحية وضحلة ولكنه يجد المنابر التي تعلي من شأنها وتكرسها  وتنشرها وتقدمها على أساس أنها هي أحسن ما يوجد في الساحة ، بينما الواقع عكس ذلك  ، فهذا النوع من الثقافة الانتهازية يغطي على الإبداع الحقيقي ويهمش الأصيلين ويحكم عليهم بالإحباط والانزواء ، بل ان بعضهم قد يتحول الى التطرف والحقد وقد يتبنى أفكارا هدامة .
    في المقابل شمل الملف أيضا آراء بعض الكتاب الذين حاولوا مسك العصا من الوسط والنظرأيضا إلى النصف المملوء من الكأس دون إغفال الإشارة إلى بعض بؤرالفساد في الحقل الثقافي المغربي .
    فالمفكر والمناضل عبدالجليل طليمات يرى أنه ليس المشهد الثقافي المغربي بتلك القتامة التي توحي بها أسئلة هذا الملف الشائك وأنه من باب الموضوعية والإنصاف الاعتراف بما راكمته الثقافة المغربية ,  فكرا وأدبا وفنونا من إنجازات هامة على طريق التحديث الفكري والنهضة الثقافية المأمولة وذلك رغم مختلف العوائق والإكراهات الموضوعية والذاتية, ورغم مقاومات قوى التقليد والمحافظة والاستبداد لكل جديد وتنويري  في حقل الفكر والإبداع . أما في النصف الفارغة من الكأس هي أن نقطة الضعف الأساسية للمشهد الثقافي المغربي هو الاستقالة شبه التامة للدولة من مسؤولياتها في توفير الشروط المادية والمؤسسية للنهوض بالفعل الثقافي وجعل إشعاعه متاحا في كل الفضاءات بربوع البلاد , فدور الدولة في هذا المجال ينبغي أن يتمحور حول توفير البنيات التحتية الضرورية للممارسة الثقافية وتوزيعها بشكل متوازن وعادل بين المدن والقرى على الصعيد الوطني . ويضيف طليمات في نفس الورقة أن سياسات الدولة العمومية فشلت خلال العقود الماضية في سن استرتيجية ثقافية مندمجة في مجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية , وتعاطت مع الشأن الثقافي بمنظور فولكلوري ومناسباتي للثقافة, وببخل ما بعده بخل في الإنفاق على مشاريع ثقافية جادة يتم تبريره دائما من طرف الوزارة الوصية  بهزالة الميزانيات  المخصصة لها , وفي ذلك اعتراف منها بأن الثقافة هي آخر ما اهتمت وتهتم به الحكومات المتعاقبة .
    الناقد محمد أقضاض إستهل مشاركته بسؤالين محوريين هما : هل النخب السياسية المغربية قادرة على أن تجمع بين السياسة والثقافة أو بين الثقافة والسياسة؟ وهل للثقافة اعتبار عند هذه النخب؟...ولم يمانع الناقد في حق المثقفين في الحلم بل يقول : يمكن أن نبالغ في الحلم فنقول: إنه من الممكن أن تعتمد هذه النخب السياسية التدبير العقلي من خلاله تخطط للراهن وللمستقبل، وتملك الرؤية الشاملة التي تجمع بين القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية و.. و.. ويمكن أن نتمادى في الحلم ونقول: إن هذه النخب لابد أنها تدرك أهمية الثقافة في تنمية البلاد وسيادة السلم الاجتماعي والأمن والتسامح، وإلا اعتبرت جاهلة وتفترض أنها تحكم شعبا جاهلا، فتسهم في إنتاج الفوضى والتخلف واللاسلم واللاتسامح.. إذ لا يمكن أن تهمل سياسة ثقافية حديثة عقلانية لأني أفترض أنها نؤمن بأهمية دور الثقافة.. ولنحلم أنها تدرك هذه الأهمية، حينئذ تخطط .
    في نفس السياق فرأي الشاعروالناقد توفيقي بلعيد لايختلف كثيرا عن رأي كل من عبدالجليل طليمات ومحمد أقضاض ففي رأيه لن يتم إصلاح الوضع الثقافي ومعه السياسي والحقوقي وغيرهما ، إلا عندما تمتلك الأحزاب والدولة مشروعا مجتمعيا يضع في قلب اهتماماته سعادة المواطن وأمنه الصحي والغذائي، وأن تعي كل الأطراف أن أي تقدم يَتَغَيّا الرخاء والسلم لا بد أن تكون الثقافة رافعة لهذه المشاريع، التي قد تختلف فيها السلطة والمعارضة حول بعض الجوانب وتتفق حول رفاهية المواطن، عندها تعالوا اسألوا المثقف…
    ومن دون شك أن أهم مشاركة وازنة في هذا الملف قدمها الشاعر والناقد الدكتور عبدالسلام فزازي الذي قارب موقفه في هذا الملف من خلال عودته إلى فعاليات المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي أشرنا إليه سابقا والتي شارك في ورشاتها لمدة يومين وبدون توقف وبحضور وازن كما يقول عبدالسلام فزازي ، وبالاشتغال في أوراش شاملة جامعة مانعة ، كانت تغطية بل تعرية للفعل الثقافي توصل إليها العالم العربي عبر ممثليه في المناظرة، معية حضور وازن للدول الغربية . ويضيف في ورقته قائلا : أجل توصلت اللجان إلى تحديد خبايا تقهقر الفعل الثقافي انبثقت عن المناظرة هذه توصيات وصلت إلى الوزارات، والحكومات الممثلة في المناظرة . ثم يتوقف في سؤال أساسي جدا قائلا ترى ماذا لو طبق منها الثلث فقط ؟ ويجيب أكيد سوف نكون قد أعدنا الروح للثقافة التي عاشت الغرغرة لسنين عددا.. الم يكن من اللازم أن نصل حقا إلى حوار الثقافات ومد الجسور بيننا وبقية العالم ؟ ألم يكن من السهل اليسير علينا أن ندخل عالم العولمة مدججين بترسانة من المعارف التي يزخر بها أبناء هذا الوطن المعطوب ثقافيا، والحال أن جلهم يحقق ما يحققه من انجازات دولية، إلا أنهم مع الأسف الشديد لم يستأنسوا رشدا بسياسة ثقافية وطنية ديمقراطية بعد أن داهمهم الإفلاس الذي أتى على الثقافة ككل، وأصبحنا نتساءل في استغراب على حد قول شاعرنا الشيخ محمد السرغيني ونحن نردد قوله: « ترى من فعل هذا بجماجمكم »؟
    وعطفا على ورقة الدكتورعبدالسلام فزازي جاءت ورقة الناقد فريد أمعضشو التي ثمنت أشغال المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي إستطاعت في رأيه أن تقدّم تشخيصاً لواقع الثقافة المغربية، وتضع الأصبع على جملة من مَواطنها التي تحتاج إلى مجهودات إضافية للرقي بها، وتجاوز ما يكتنفها من اختلالات تعرقل سيْر هذه الثقافة نحو تحقيق غاياتها الكبرى. كما خرجت المناظرة بتوصيات مهمّة نأمُل أن تتحوّل إلى واقع ملموس في أقرب وقت.
    وفيما يخص سؤالنا حول رد الإعتبار لدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ، فالقاص والناقد حميد ركاطة يعتقد أن إعادة الاعتبار للمثقف يتمثل في الالتفات إليه ، وتقديره ، والاعتراف بما ينتجه من رأسمال لا مادي ، المثقف اليوم في نظرحميد ركاطة لا يملك سوى كرامته حيال حصار أضحى فجا ، ووهميا ، فالاعتبارلا تقدمه المؤسسة ، بل يخلق المثقف بفرض نفسه بقوة في المشهد ، وإن كنا اليوم نعيش حرب بسوس أخرى من قبل بعض المحسوبين على الثقافة ، من أشباه المثقفين ، فنظرية المؤامرة  يعاد حياكة فصولها الوهنية من جديد ، وهي المعمول بها اليوم عبر ممارسة الإقصاء المقصود، للزميل من طرف زميله ، وأقرب المقربين إليه ... ويرى عبد المجيد طعام المدير المسؤول لموقع الشرق الآن من جهته أنه لا وجود لحلول سحرية اولا فائدة من الحلول الترقيعية فالتحدي الذي نواجهه كما يقول هو ان نكون او لا نكون وأخيرا يقول سعيد منتاق الأستاذ بجامعة وجدة شرق المغرب أن الثقافة في حاجة إلى مثقف غيور على الإبداع عموما، مناهض للمصلحة والحسابات الحزبية الضيقة، شغوف بالبحث عن الجديد، صادق في تقويمه لأي إنتاج ثقافي، لا يسمح ضميره بالمحاباة ولا التملق ويدافع باستماتة على الجودة وإعادة الاعتبار للكتاب والكتاب المخلصين في أعمالهم الإبداعية.
    ومن من دون شك أننا مهما إستفضنا في تجميع آراء الأدباء والمثقفين المغاربة المشاركين في هذا الملف ومواقفهم المتقاربة من صورة المشهد الثقافي اليوم وتطلعاتهم إلى المستقبل ، فإننا لن نخرج عن إطارالصورة الملتبسة التي يحملها كل مثقف وكل كائن مهووس بنقاوة وسلامة الثقافة المغربية من بعض الباكتيريا التي تقتات على المواضع الخمجاء أكثر مما تفكرفي الرقي بالتراكم الثقافي المغربي حتى يسهم في إغناء الثروة اللامادية لوطننا الحبيب .
    وعسى أن تكون أوراق هذا الملف قد أسهمت من جهتها بقدر ما في إثراء النقاش حول الثقافة المغربية واعتبار أوراق هذا الملف محطة ثالثة بعد محطة مناظرة طنجة وفعاليات المعرض الدولي للكتاب بالدارالبيضاء .





    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل أعد التقرير: عبده حقي

    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل
    أعد التقرير: عبده حقي
    في إطارإعداد ملفاتها الدورية ومواكبتها لما يعتمل في الساحة الثقافية المغربية أنجزت مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية ملفا تحت عنوان عريض هو (الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل) راصدة من خلال مشاركات العديد من المثقفين فيه واقع المشهد الثقافي الذي عرف عدة أحداث هامة منذ مطلع السنة الحالية 2015 تتعلق بداية بالمناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي جرت فعالياتها يومي الجمعة والسبت 9 و10 يناير 2015 بمدينة طنجة تحت إشراف اتحاد كتاب المغرب والحضوراللافت والدال للعديد من المؤسسات والفاعليات الفكرية والثقافية كوزارة الثقافة وتنظيم الدورة الواحدة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدارالبيضاء ما بين 13 و 21 من شهر فبرايرالفارط بمشاركة 750 ناشرا من 44 دولة ثم ما تلى هاذين الحدثين من جدل ساخن حول حجب جائزة المغرب للكتاب بعد أن سحب الشاعر محمد بنطلحة ديوانه «أخسر السماء وأربح الأرض» وما أعقب ذلك من بلاغات وبيانات خرج بها إلى العلن عبرالصحافة الورقية والإلكترونية بعض أعضاء اللجنة تجلت بداية بمقال توضيحي لأحمد عصيد بسط فيه أسباب حجب الجائزة ، ثم تلته ردود أخرى وهي عبارة عن مقالات لكل من ياسين عدنان وحسن مخافي ، تلك الردود التي عرفت تشهيرا ثقافيا بامتياز تجلى في التراشق بينهما بالإتهامات والتواطؤات والكشف عن العورات  ...
    فضائح أخرى كشف عنها أيضا مقال الصحفي سليمان الريسوني الصادر بجريدة المساء بتاريخ 16 فبراير2015  تمثلت أولاها في توجّيه عضو بارز داخل المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب ، رسالة ًإلى عضو آخر يُحذره فيها من تكرار فعل اصطحاب عشيقته إلى أحد فنادق الرباط على حساب مالية "الاتحاد" وفضيحة ثانية كشف عنها نفس المقال تتحدث كيف أن عضوا في الإتحاد عرض على عضوآخر ليكون ضمن لجنة تحكيم جائزة اتحاد كتاب المغرب للروائيين الشباب، من دون أن يسلمه ولا واحدة من الروايات المتنافسة لقراءتها ، إلى أن فوجئ هذا العضوالمدعو باستدعائه إلى حفل تسليم الجوائز، حيث تليت أسماء أعضاء لجنة التحكيم، وكان إسمه من ضمنها ! وكانت آخرالزلازل التي رجت المشهد الثقافي بالمغرب إنسحاب ستة وعشرون عضوا من إتحاد كتاب المغرب وعزا هؤلاء الأعضاء إنسحابهم إلى (سبب تحويل دورالمنظمة الطبيعي، والعبث برصيدها التاريخي، لأجل تحقيق مكاسب شخصية ضيقة، مع مراكمة الأخطاء التسييرية والطيش ، غير المسبوق ، في إبداء المواقف الفاقدة للعمق وللصدى والشرعية القاعدية...)  كما جاء في البلاغ الأول لمجموعة المنسحبين التي أطلقت على نفسها إسم (القادمون) والتي ضمت خمسة عشر عضوا إلتحق بهم تسعة أعضاء آخرون في بلاغ نهائي نشربتاريخ 12 مارس تحت عنوان (انسحاب لا انشقاق).
    ومن نافلة القول أن زوبعة هذا الإنسحاب كانت حتما ومن المتوقع أن تدفع برئيس الإتحاد عبدالرحيم العلام للخروج عن صمته والإعلان في بلاغ خاص تحت عنوان (القادمون ... إلى الانسحاب) ومن بين ماجاء فيه (لا يسعني سوى أن أحترم شخصيا رغبة هؤلاء الأعضاء، فلربما أحس بعضهم بأن انتماءه إلى الاتحاد لم يعد يشرفه، إذ يوجد من بينهم من لم يكتب، في حياته، ولا مقالا واحدا في الثقافة ولا أصدر كتابا حتى، فكيف يصمد أمام اتحاد يغتني بتراكم أعضائه وبحضورهم المشرف... فقط أنا لم أفهم، معنى الانسحاب... فالقانون الأساسي للاتحاد ينص على الاستقالة، لكن ربما هي مسافة اللا انتماء التي لم تعد تسمح للبعض بأن يواكب اليوم تجدد الاتحاد، وتغير العالم...  شيء مؤسف حقيقة، لكن النضالات الحقيقية تتم من داخل الاتحاد وفي مؤتمراته، وليس بالبهتان والافتراء والكذب والجحود والوصاية، من لدن أشخاص يعرفون بالاصطياد في الماء العكر، وبتغيير بوصلة أخلاقهم حسب المنافع... )
    هذه إذن وباختصار راصد هي بعض الأحداث الكهروثقافية منها الصادمة ومنها العابرة خفية خلف أستارالكواليس ومن تحت الموائد ...
    في ظل هذا الهيجان وإغناءا لدائرة الحواروالنقاش أعدت مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية ملفها الخامس عشر في محور (الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل )  من من إعداد وتقديم مديرالمجلة الكاتب والإعلامي عبده حقي .
    ولتأطيرالملف بعيدا عن أي توجيه ملغوم أو نوايا مبيتة وحسابات مغرضة فقد تركزت محاورالنقاش حول ثلاثة أسئلة مركزية ومحدودة هي :
    1ــــ ماهوموقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
    2ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهرالفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
    2ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبارلدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
    وجريا على عادتها فقد تم توجيه دعوات خاصة إلى العديد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين ، كما فتح باب المشاركة على مصراعيه عبر توجيه رسائل إلكترونية جماعية إلى كل من يهمهم واقع ومستقبل الثقافة بالمغرب ، وتبين مما لايدع مجالا للشك أن الكثيرمن المثقفين ربما شعروا بأن المشاركة في هذا الملف من خلال الإجابة عن أسئلته المحورية لاتختلف في شكل عن السير في حقل من الألغام وأن مناقشة محاوره الساخنة والجريئة تحتاج إما إلى درجة عالية من الشجاعة الفكرية والثقافية مهما تكن فداحة الخسائر الشخصية على مستوى المكاسب والعلاقات والمصالح في المستقبل أو تحتاج في جانب آخر إلى لغة ديبلوماسية خشبية لن تجدي نفعا في النقاش ولن تأت برؤية واضحة قد تنقذ ما يمكن إنقاذه في الوضع الكارثي السوداوي للمشهد الثقافي الذي بسطنا بعض صوره السريالية في هذا التقريرأعلاه .
    إن قراءة إختزالية للآراء الواردة في هذا الملف الذي آلف بين سبعة وعشرين مشاركا من بينهم صوت نسائي واحد ويتعلق الأمر بالشاعرة القديرة مالكة العاصمي . هاته القراءة الشمولية تكشف بجلاء عن شعور بالتذمر والإنتفاض العارم ضد ما حصل ويحصل في الحقل الثقافي المغربي ، فالشاعرة ترى أن المشهد الثقافي مأزوم في العالم لأن هناك ثقافة فاسدة موازية تريد أن تهيمن، وتعمل جاهدة على ابتلاع ما يناقضها وترى الشاعرة كذلك أن ضبابية المشهد الثقافي المغربي هي من ضبابية المثقفين وغياب الرؤية الواضحة لديهم كما يقول المثل العربي: (كما تكونون يولى عليكم) .
    من جهته يرى القاص إدريس الصغير وهو من جيل كتاب السبعينات أن الضبابية في الثقافة المغربية ليست وليدة الحاضر, بل هي متجذرة في واقعنا الثقافي ، انها ظلامية دامسة عمياء ,عايشها القاص كما يقول منذ بدأ نشر أعماله على مدى خمسين سنة ...
    أما الأستاذ الباحث في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية الدكتورأحمد الطالحي فيرى أن الخلل الذي يعاني منه الفضاء الثقافي المغربي والعربي عموما، مرده بالأساس إلى غياب مشروع ثقافي وطني، الذي بدوره يرجع إلى عدم الاجماع على الهوية الوطنية أو عدم الالتزام بالهوية التي سطرها الدستور الجديد. وما لم نعالج هذه المسألة بالحوار وبالأساليب الحضارية، ستستمر الارتجالية والعشوائية تطبع حركتنا الثقافية ومنتوجنا الثقافي.
    وجوابا على سؤالنا أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في اهتزاز قيم بعض المثقفين واستشراء الفساد الثقافي أم فيهما معا ؟ فالقاص والناقد الدكتورالمهدي لعرج يجيب عن هذا السؤال قائلا : أن الفساد هومنظومة متكاملة وبنية متواشجة، تشتغل مثلما تشتغل كل منظومة وديناميتها مثل دينامية أية بنية. والسياسة الثقافية بشكل عام في تصوره تقوم على الكثير من المحاباة والنفاق ويرى أن هناك وضعا موروثا من الصعب على أي وزير للثقافة أن يدبره من غير أن يجر على نفسه الكثير من المكائد والويلات ... ويضيف في نفس المشاركة أن بعض المثقفين مع الأسف لا يؤمنون بالرصيد الثقافي الذي يمكن أن يكونوه بعرق جبينهم ويعتزوا به، أو تذكره الأجيال لهم. ولكنهم إنما يميلون حيث مالت ريح السلطة والنفوذ والجاه.
    صوت عربي واحد آثر إلا أن يشارك في هذا الملف من خارج واقعه الجغرافي المتلاطم ربما من بدافع الغيرة على صحة وعافية الثقافة المغربية باعتبارها رافدا أساسيا في الثقافة العربية وأيضا إعترافا بفضل المغرب على الأصعدة الفكرية والعلمية والثقافية على العديد من الكتاب الذين عبروا منه لطلب العلم والتكوين الأكاديمي أوالذين فضلوا الإقامة النهائية على أرضه المضيافة والكريمة مثل الصحفي المشهور طلحة جبريل والشاعرالكبيرأحمد الفيتوري وغيرهما . الأمرفي هذا الملف يتعلق بالكاتب السوداني المقيم باليمن عادل الامين الذي عبرعن موقفه بصراحة نادرة عما يعتمل في المشهد الثقافي المغربي وبرؤية نقدية جريئة حين قال إن الخلل مزدوج يكمن في مؤسسات الثقافة نفسها وإرثها القديم والممل وقتلها للعمل الإبداعي  وعدم دعم القطاع الخاص والرأسمالية الوطنية للثقافة...ويرى أن الشق الآخر في أزمة الثقافة المغربية سيكولجي يتعلق بالحرس القديم والنرجسية وسدهم للمنافذ للشباب  والإبداع الجديد والجيل الصاعد  وإبداع الهامش والهويات الصغرى  وعدم ايمان بعض المثقفين بالقيم العليا من ديمقراطية واشتراكية  ودولة مدنية  وتمجيدهم لأصنام المركز العربي لقديم...وعدم انفتاحهم على الفكر الإفريقي والقارة السمراء التي هم جزء منها.
    الروائي والسيناريست عبدالإله الحمدوشي الذي حازمؤخرا على جائزة أحسن سيناريو في مهرجان كاليفورنيا العالمي عن فيلم "خلف الأبواب " من إخراج محمد عهد بنسودة يرى من جانبه أن السياسة الثقافية الخاطئة تخلق لنا مثقفين فاسدين ، ونعني بالمثقف الفاسد ، ذلك الذي ينتج الثقافة لمصلحة شخصية ومن  أجل منفعة ذاتية ولا يؤمن بما ينتجه ، بل ينتج ما يرضي أولياء نعمته .. ولاحظ أن الولاء الثقافي لم يعد مقتصرا كما  في السابق  على المخزن  ، بل صار مرتبطا بأصحاب المال أو بأحزاب أو منظمات تؤمن للمثقف المنتمي الحماية الانتهازية لكي توصله الى المنابر العليا والى احتلال أماكن مهمة في سلم الامتيازات ..هذا المثقف الانتهازي الفاسد مع الأسف في نظر نظر عبد الإله الحمدوشي هو في الغالب شخص فارغ  وغير مبدع ومدع  كبير  ، ينتج ثقافة ضعيفة وسطحية وضحلة ولكنه يجد المنابر التي تعلي من شأنها وتكرسها  وتنشرها وتقدمها على أساس أنها هي أحسن ما يوجد في الساحة ، بينما الواقع عكس ذلك  ، فهذا النوع من الثقافة الانتهازية يغطي على الإبداع الحقيقي ويهمش الأصيلين ويحكم عليهم بالإحباط والانزواء ، بل ان بعضهم قد يتحول الى التطرف والحقد وقد يتبنى أفكارا هدامة .
    في المقابل شمل الملف أيضا آراء بعض الكتاب الذين حاولوا مسك العصا من الوسط والنظرأيضا إلى النصف المملوء من الكأس دون إغفال الإشارة إلى بعض بؤرالفساد في الحقل الثقافي المغربي .
    فالمفكر والمناضل عبدالجليل طليمات يرى أنه ليس المشهد الثقافي المغربي بتلك القتامة التي توحي بها أسئلة هذا الملف الشائك وأنه من باب الموضوعية والإنصاف الاعتراف بما راكمته الثقافة المغربية ,  فكرا وأدبا وفنونا من إنجازات هامة على طريق التحديث الفكري والنهضة الثقافية المأمولة وذلك رغم مختلف العوائق والإكراهات الموضوعية والذاتية, ورغم مقاومات قوى التقليد والمحافظة والاستبداد لكل جديد وتنويري  في حقل الفكر والإبداع . أما في النصف الفارغة من الكأس هي أن نقطة الضعف الأساسية للمشهد الثقافي المغربي هو الاستقالة شبه التامة للدولة من مسؤولياتها في توفير الشروط المادية والمؤسسية للنهوض بالفعل الثقافي وجعل إشعاعه متاحا في كل الفضاءات بربوع البلاد , فدور الدولة في هذا المجال ينبغي أن يتمحور حول توفير البنيات التحتية الضرورية للممارسة الثقافية وتوزيعها بشكل متوازن وعادل بين المدن والقرى على الصعيد الوطني . ويضيف طليمات في نفس الورقة أن سياسات الدولة العمومية فشلت خلال العقود الماضية في سن استرتيجية ثقافية مندمجة في مجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية , وتعاطت مع الشأن الثقافي بمنظور فولكلوري ومناسباتي للثقافة, وببخل ما بعده بخل في الإنفاق على مشاريع ثقافية جادة يتم تبريره دائما من طرف الوزارة الوصية  بهزالة الميزانيات  المخصصة لها , وفي ذلك اعتراف منها بأن الثقافة هي آخر ما اهتمت وتهتم به الحكومات المتعاقبة .
    الناقد محمد أقضاض إستهل مشاركته بسؤالين محوريين هما : هل النخب السياسية المغربية قادرة على أن تجمع بين السياسة والثقافة أو بين الثقافة والسياسة؟ وهل للثقافة اعتبار عند هذه النخب؟...ولم يمانع الناقد في حق المثقفين في الحلم بل يقول : يمكن أن نبالغ في الحلم فنقول: إنه من الممكن أن تعتمد هذه النخب السياسية التدبير العقلي من خلاله تخطط للراهن وللمستقبل، وتملك الرؤية الشاملة التي تجمع بين القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية و.. و.. ويمكن أن نتمادى في الحلم ونقول: إن هذه النخب لابد أنها تدرك أهمية الثقافة في تنمية البلاد وسيادة السلم الاجتماعي والأمن والتسامح، وإلا اعتبرت جاهلة وتفترض أنها تحكم شعبا جاهلا، فتسهم في إنتاج الفوضى والتخلف واللاسلم واللاتسامح.. إذ لا يمكن أن تهمل سياسة ثقافية حديثة عقلانية لأني أفترض أنها نؤمن بأهمية دور الثقافة.. ولنحلم أنها تدرك هذه الأهمية، حينئذ تخطط .
    في نفس السياق فرأي الشاعروالناقد توفيقي بلعيد لايختلف كثيرا عن رأي كل من عبدالجليل طليمات ومحمد أقضاض ففي رأيه لن يتم إصلاح الوضع الثقافي ومعه السياسي والحقوقي وغيرهما ، إلا عندما تمتلك الأحزاب والدولة مشروعا مجتمعيا يضع في قلب اهتماماته سعادة المواطن وأمنه الصحي والغذائي، وأن تعي كل الأطراف أن أي تقدم يَتَغَيّا الرخاء والسلم لا بد أن تكون الثقافة رافعة لهذه المشاريع، التي قد تختلف فيها السلطة والمعارضة حول بعض الجوانب وتتفق حول رفاهية المواطن، عندها تعالوا اسألوا المثقف…
    ومن دون شك أن أهم مشاركة وازنة في هذا الملف قدمها الشاعر والناقد الدكتور عبدالسلام فزازي الذي قارب موقفه في هذا الملف من خلال عودته إلى فعاليات المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي أشرنا إليه سابقا والتي شارك في ورشاتها لمدة يومين وبدون توقف وبحضور وازن كما يقول عبدالسلام فزازي ، وبالاشتغال في أوراش شاملة جامعة مانعة ، كانت تغطية بل تعرية للفعل الثقافي توصل إليها العالم العربي عبر ممثليه في المناظرة، معية حضور وازن للدول الغربية . ويضيف في ورقته قائلا : أجل توصلت اللجان إلى تحديد خبايا تقهقر الفعل الثقافي انبثقت عن المناظرة هذه توصيات وصلت إلى الوزارات، والحكومات الممثلة في المناظرة . ثم يتوقف في سؤال أساسي جدا قائلا ترى ماذا لو طبق منها الثلث فقط ؟ ويجيب أكيد سوف نكون قد أعدنا الروح للثقافة التي عاشت الغرغرة لسنين عددا.. الم يكن من اللازم أن نصل حقا إلى حوار الثقافات ومد الجسور بيننا وبقية العالم ؟ ألم يكن من السهل اليسير علينا أن ندخل عالم العولمة مدججين بترسانة من المعارف التي يزخر بها أبناء هذا الوطن المعطوب ثقافيا، والحال أن جلهم يحقق ما يحققه من انجازات دولية، إلا أنهم مع الأسف الشديد لم يستأنسوا رشدا بسياسة ثقافية وطنية ديمقراطية بعد أن داهمهم الإفلاس الذي أتى على الثقافة ككل، وأصبحنا نتساءل في استغراب على حد قول شاعرنا الشيخ محمد السرغيني ونحن نردد قوله: « ترى من فعل هذا بجماجمكم »؟
    وعطفا على ورقة الدكتورعبدالسلام فزازي جاءت ورقة الناقد فريد أمعضشو التي ثمنت أشغال المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي إستطاعت في رأيه أن تقدّم تشخيصاً لواقع الثقافة المغربية، وتضع الأصبع على جملة من مَواطنها التي تحتاج إلى مجهودات إضافية للرقي بها، وتجاوز ما يكتنفها من اختلالات تعرقل سيْر هذه الثقافة نحو تحقيق غاياتها الكبرى. كما خرجت المناظرة بتوصيات مهمّة نأمُل أن تتحوّل إلى واقع ملموس في أقرب وقت.
    وفيما يخص سؤالنا حول رد الإعتبار لدورالثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ، فالقاص والناقد حميد ركاطة يعتقد أن إعادة الاعتبار للمثقف يتمثل في الالتفات إليه ، وتقديره ، والاعتراف بما ينتجه من رأسمال لا مادي ، المثقف اليوم في نظرحميد ركاطة لا يملك سوى كرامته حيال حصار أضحى فجا ، ووهميا ، فالاعتبارلا تقدمه المؤسسة ، بل يخلق المثقف بفرض نفسه بقوة في المشهد ، وإن كنا اليوم نعيش حرب بسوس أخرى من قبل بعض المحسوبين على الثقافة ، من أشباه المثقفين ، فنظرية المؤامرة  يعاد حياكة فصولها الوهنية من جديد ، وهي المعمول بها اليوم عبر ممارسة الإقصاء المقصود، للزميل من طرف زميله ، وأقرب المقربين إليه ... ويرى عبد المجيد طعام المدير المسؤول لموقع الشرق الآن من جهته أنه لا وجود لحلول سحرية اولا فائدة من الحلول الترقيعية فالتحدي الذي نواجهه كما يقول هو ان نكون او لا نكون وأخيرا يقول سعيد منتاق الأستاذ بجامعة وجدة شرق المغرب أن الثقافة في حاجة إلى مثقف غيور على الإبداع عموما، مناهض للمصلحة والحسابات الحزبية الضيقة، شغوف بالبحث عن الجديد، صادق في تقويمه لأي إنتاج ثقافي، لا يسمح ضميره بالمحاباة ولا التملق ويدافع باستماتة على الجودة وإعادة الاعتبار للكتاب والكتاب المخلصين في أعمالهم الإبداعية.
    ومن من دون شك أننا مهما إستفضنا في تجميع آراء الأدباء والمثقفين المغاربة المشاركين في هذا الملف ومواقفهم المتقاربة من صورة المشهد الثقافي اليوم وتطلعاتهم إلى المستقبل ، فإننا لن نخرج عن إطارالصورة الملتبسة التي يحملها كل مثقف وكل كائن مهووس بنقاوة وسلامة الثقافة المغربية من بعض الباكتيريا التي تقتات على المواضع الخمجاء أكثر مما تفكرفي الرقي بالتراكم الثقافي المغربي حتى يسهم في إغناء الثروة اللامادية لوطننا الحبيب .
    وعسى أن تكون أوراق هذا الملف قد أسهمت من جهتها بقدر ما في إثراء النقاش حول الثقافة المغربية واعتبار أوراق هذا الملف محطة ثالثة بعد محطة مناظرة طنجة وفعاليات المعرض الدولي للكتاب بالدارالبيضاء .





    نشر في : 3:45 ص |  من طرف ABDOUHAKKI

    الاثنين، 9 مارس 2015

    الفساد الثقافي...الدكتورعبدالسلام فزازي
    أن يعم الفساد كل القطاعات كاد الأمر يصبح واقعا لم نعد نناقشه إلا عندما ينتابنا إحساس بالغبن ونحن نقارن أنفسنا ببقية العالم الذي يحترم نفسه، وبالتالي مؤسساته، هذا العالم الذي شب على الطوق على عمق الديمقراطية وليس الذل ديموقراطية كما قال مفكرنا المهدي المنجرة... اجل، عمق الديمقراطية التي أصبحنا يتغنى بها في كتاباتنا عندما نمتطي المنصات المنبرية نحمل جثثنا المتهرئة في غياب جوانياتها ومصداقيتنا، ناهيك عن المنابر التي لم يعد يصدقها احد لأنها مجرد انعكاس بافلوفي لعمق إنسان العالم الثالث... نعلم من جيدا يحضر للقاءات الثقافية والفكرية هنا وهناك وعبر القارات الخمس، ومن يحضرها، ومن يجب أن يحضرها ومن لا يجب أن يفكر فيها أصلا، كما نعلم من هم دهاقنتها الذين كانوا بالأمس القريب يعبدون الأصنام إلى أن صاروا أنفسهم أصناما يريدوننا قربانا لهم، ودونهم البحر فليشربوه سما ناقعا.. حين نتتلمذ على أيادي أساتذة لنا صاروا مع مرور الزمن يتجاوزون مكانة آبائنا، ونجدهم يلهثون وراء الجوائز وهم في سباق غرائبي مع طلبتهم، هنا لا يسعنا إلا أن نطلق الثقافة طلاقا بائنا بينونة كبرى...أجل، نريد وبلا شك لأساتذتنا جوائز عالمية لنردد منتشين: أساتذتنا فعلا رسخوا تجاربهم محليا وعربيا ودوليا، وما أجمل أن نقتفي آثارهم ونقتدي بهم... لكن استغرب كيف يمكن لي أو اسمح لنفسي يوما أن أكون مقيما لإعمالهم أنا الذي كنت بالأمس اعتمر في محرابهم اقتات من معينهم، متمنيا أن أصير يوما ظلا لهم، وفيضا من عطاءاتهم... أكيد، انقلبت العملية القياسية بني أمي، حيث تعلمنا أن القياس يتم تبعا للقاعدة الفقهية على هذا المنوال: نقيس الفرع على الأصل، وليس العكس، إلى أن وصلنا إلى أن الأصل بدا يرتعد وينتظر من الفرع أن يقيم أعمال الأصول، وحتما ما اعتقد أن هناك من سيعترض على مسار من علمونا، وإلا فإننا يجب أن نساق فرادى وجماعات إلى مارستانات...كما قلت في عدة لقاءات ثقافية وطنية وعربية ودولية: أن العجب لم يعد عربيا، ولم يكن يوما عربيا، كما أن المستحيل ما عاد يحمل هوية عربية.. فمن سيصدق أن قامة مثل قامة شاعرنا محمد بنطلحة، الشاعر الكبير أقولها وأتحمل مسؤوليتي النقدية الأكاديمية، أجل شاعرنا سيسحب ترشيحه من جائزة المغرب بديوانه الرائع « اخسر السماء واربح الأرض»، وهو يعرف لماذا فعل لأنه ادري بواقع مؤسساتنا الثقافية التي لم تعد تغري المثقف الحقيقي الذي لا يريد أن يدخل سوق النخاسة، والحال أن القصيدة افتضحت منذ زمان في مثل هذه الاحتفالات الكرنفالية.. ونفس الشاعر الكبير سبق أن رفض جائزة الاركانة في الوقت التي يلهث وراءها المتشاعرون وبأي ثمن... وما دامت المناسبة شرط كما يقال، والتي تستوجب منا وقفة احترام وإجلال لمبدعنا واستأذنا احمد بوزفور الذي لقن ذات المؤسسات درسا في ماهية الرفض العميقة التي من المفروض أن يتولد عنها ما يسمى ب« الموقف».. ترى لماذا أصبحنا نعيش تراجعا غير مسبوق في المجال الثقافي الذي أصبحت تتحكم فيه المزاجية، والاخوانيات، والوصولية، والانبطاح إلى درجة لا يمكن أن يصدقها عاقل؟ ولماذا أصبحت الثقافة منهلا للفساد والريع إلى أن عم الفساد في مشارق الأرض ومغاربها..؟ وهنا لن أقف إطلاقا عند من تزوجوا زواجا كاثوليكيا استضافات معرض الكتاب وبطرق أصبحت بدورها لا تناقش في زمن استأسد فيها من كانوا بالأمس مجرد كومبارس إلى أن صاروا بقدرة قادر ينفخون ريشهم مثل الطواويس، واعتذر لهذا الطائر لأنه على الأقل لا يعاني من أي إعاقة عقلية ولا جسدية.. فتحية لشاعرنا الكبير لأنه أكبر من هذه الجائزة لأنك تعتبر مفخرة لنا وقدوة ومدرسة وموقفا؛ وتحية لاستأذنا وأستاذ الأجيال، والمدرسة القصصية احمد بوزفور على مواقفه الثابتة التي علمتنا أن الكبير يبقى كبيرا والأقزام تبقى أقزاما حتى ولو استعرت لهم طول جبال البرانس، وتبا لمن كانوا بالأمس أحذية متهرئة وصاروا يقررون في مصير من كانوا يرتعدون منهم إلى حد التبول.. فما أعدلك يا حجاج بن يوسف الثقفي أمام هذه الأقزام التي خرجت من تلابيبنا إلى أن صارت تتحكم في الرقاب والعباد ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف.. فيا ارض ابلعي هؤلاء قبل مائك فبهم ما عادت الثقافة عاشقة ولا معشوقة...
    أكيد لا يختلف اثنان على أننا في أمس الحاجة إلى ثقافة ومثقف يسوقان للمتلقي المغربي أولا، والمغاربي ثانيا، والعربي ثالثا، بل حتى الكوني نوعا من الوعي الذي افتقدناه مع الأسف الشديد لما اختلط علينا الحابل بالنابل مع ثلة من الإخوة الذين نصبوا أنفسهم سدنة على الثقافة، واختاروا أن يجعلوا منها عشيرة يحج ألينا كل سنة وفي كل مناسبة نفس الوجوه، وبطرق شتى بعيدا عن الانفتاح على الرؤى والأفكار التي ربما يمتلكها الغير وما أكثرهم، والحال أن هذا الوطن معطاء في شتى الميادين، ومن خلال أسماء واعدة أريد لها أن تبقى حيث هي اعتقادا منهم أنهم سيربكون حساباتهم الضيقة والتي تحمل ما تحمل من خبايا تفصح عن نفسها، ولم تعد معروفة لدى الأجيال التي تدرك على أن هناك من يعمل على إقبار مفهوم الحرية في سبيل ربط وسائل وسبل التعبيري عبر مثقفين يحملون حقا في كتاباتهم حياة الإنسان بقضاياها وهمومها.. ولهذا علينا اليوم أن نعترف جهرا أن هناك لوبيات وصلت إلى مراكز القرار واستهوتها المصالح الفردية، والمكاسب المادية، ولهذا ننصح بالابتعاد عن الانزلاق إلى أسلوب الاخوانيات وووو... وهذا ما يجعل ثقافتنا تصطدم مع هؤلاء إلى ثقافة السوق والمعارض التي لا تستقطب إلا نفس الأسماء التي ملتها فضاءات ذات المعارض وذات اللقاءات.. ليصير المثقف الواعد الذي حظ له في ولوج هذا العالم الموبوء عبارة عن مبدعين يشبهون غيوما عابرة في سماء فصل ملون يختلط فيه الإبداع أو بالأحرى الثقافة برغبات السوق، والرفاه، والجمهور الذي مل المعارض ونفس الوجوه فعانق الغياب إلى أن يحضر من يعيد للثقافة بريقها والقها والمدافعين عنها غيرة، وهذا بالطبع يتطلب نضجا سيكولوجيا، وديمقراطية مواطنة، وحيادا مطلقا يطلق الانبطاحية، والتزلف، ومحاربة الأنا البغيضة والجديرة بالبغض.. ورب متسائل يتساءل: كيف يمكن التخلص من هذا الداء الذي أصاب جسم وروح الثقافة؟ أكيد يجب مواجهة الرؤى الثقافوية المصاحبة لفكرة التمركز أولا، لأنها هيمنت إلى درجة جعلتنا وكأننا في مواجهة بين المركزي والهامشي.. هناك هيمنة ثابتة تتسع سيطرة وسيادة رغم أن الذين انيطت بهم مهمة المسؤولية على الثقافة لا ينتمون أصلا إلى المركز لكن سرعان ما روضهم واقع الحال فدجنوا واستجابوا بافلوفيا لساداتهم .. ولهذا نتمنى وبكل تجرد وتعال بلورة مشروع ثقافي يستهدف الوعي الحقيقي ابتداء من الذات، وصولا إلى الذات الجماعية، خارج أشكال الامتثال التي عشناها وها هي لم تبرح مكانها على الإطلاق.. وفي هذا النطاق، أرى أن ادوارد سعيد، كم كان محقا حين قال: إن ما يرسم الخط الفاصل والمهم بين مفهوم جماليات التخلف ومفهوم الجماليات المحلية القومية، هو شكل التعامل مع مكونات الثقافة وأيضا أشكال توظيفها..
    ولعلنا نلمس وبجلاء أن الفعل الثقافي رغم ما يعيشه من تشرذم وسلبيات، يساهم فيها بعض المثقفين أنفسهم من المفروض أن يعاد فيه النظر بغية التصالح مع العالم بعيدا عن المثبطات التي ابتلي به الحقل الثقافي، والتي أصبحنا نرى أن هذه السلبيات كانت في الحقيقة سببا في تطور بديل لما هو رسمي حيث برزت إلى الوجود جمعيات جعلت المؤسسات الموبوءة تتوارى شيئا فشيئا وربما أنها بصدد العيش في غرغرتها الخيرة لأنها زاغت عن الفعل الثقافي الذي طالما حلمت به أجيال متعاقبة.. وهكذا، أصبحنا بفعل ظهور هذه الجمعيات نعيش نوعا من التغيير وإعادة تأسيس صرح ثقافي يمتد بل يتوق نحو العالمية، على اعتبار أن الثقافة أولا وأخيرا تربية منفتحة على الحقول الأدبية بتشكلاتها المتنوعة، والحال أنها تتصل جذريا بماهية الحياة.. وما دام الأمر كذلك، فإنه يتطلب من المثقف أن يعانق قيم الحداثة في توهجها كبديل لما هو سائد ومحنط لا يستجيب قطعا لتقلبات زمن حداثي وحديث؛ ولعل الأمر لا يختلف فيه اثنان، ونحن نعلم أن لا ثقافة مواطنة وفاعلة في المجتمع في غياب مثقف كارزماتي يذكي ويساهم في سبيل إنتاج فكر طلائعي تفاعلي مع المحيط، وصولا إلى الكونية.. ولهذه الأسباب أصبح المثقف الغيور على الفعل الثقافي النابع من الجذور والمتطلع إلى الكونية، أجل، أصبح مفروضا عليه استيعاب كل التحولات التي يعيشها العالم وبشكل سريع، وهذا الاستيعاب وحده من سيعيد للفعل الثقافي روحه وجوانيته التي عبرها ومن خلالها يمكن أن تبنى الثقافة المغربية خاصة، والثقافة الكونية عامة، علما أن المغرب يزخر بالتنوع الثقافي واللغوي الذي يؤهله إلى الوصول إلى المبتغى شريطة إعادة النظر في تركيبة الجمعيات الثقافية التي أصابها فيروس الفساد لا لشيء إلا أننا حقا أصبحنا نعيش غياب حكمة « الإنسان المناسب في المكان المناسب..»، سيما تلك الجمعيات التي راكمت ما راكمته من عطاء، لكن مع الأسف الشديد تراجعت عنه.. ولعل غياب النوادي السينمائية، والمنابر الثقافية الجادة، وانفتاح الجامعات والمعاهد على المحيط فعلا لا قولا فقط خير دليل على ما نحن عليه اليوم... وهذا بكل تأكيد راجع أيضا إلى غياب سياسة ثقافية فاعلة إلى درجة أوصلتها على حين غرة إلى وهم التشدق بالتنمية المستدامة التي تعتبرها مجرد تنويم مغناطيسي ليس إلا.. وفي هذا الإطار تندرج بجلاء الحكمة القائلة « أعطيني ميزانية وزارة ثقافة دولة ما، أعطيك من تكون ».
    وأكيد أن مناضرة طنجة الأخيرة التي شاركنا في اوراشها ولمدة يومين وبدون توقف وبحضور وازن، وبالاشتغال في اوراش شاملة جامعة مانعة، كانت تغطية بل تعرية للفعل الثقافي توصل إليها العالم العربي عبر ممثليه في المناضرة، معية حضور وازن للدول الغربية؛ أجل توصلت اللجان إلى تحديد خبايا تقهقر الفعل الثقافي انبثقت عن المناضرة هذه توصيات وصلت إلى الوزارات، والحكومات الممثلة في المناضرة، ترى ماذا لو طبق منها الثلث فقط؟ أكيد سوف نكون قد أعدنا الروح للثقافة التي عاشت الغرغرة لسنين عددا.. الم يكن من اللازم أن نصل حقا إلى حوار الثقافات ومد الجسور بيننا وبقية العالم؟ ألم يكن من السهل اليسير علينا أن ندخل عالم العولمة مدججين بترسانة من المعارف التي يزخر بها أبناء هذا الوطن المعطوب ثقافيا، والحال أن جلهم يحقق ما يحققه من انجازات دولية، إلا أنهم مع الأسف الشديد لم يستأنسوا رشدا بسياسة ثقافية وطنية ديمقراطية بعد أن داهمهم الإفلاس الذي أتى على الثقافة ككل، وأصبحنا نتساءل في استغراب على حد قول شاعرنا الدكتور محمد السرغيني ونحن نردد قوله: « ترى من فعل هذا بجماجمكم »؟.. وها نحن نرى الدولة خارج صلب التربية والتعليم وصولا إلى المجتمع، حيث أغلقت علينا أبواب الانفتاح على الثقافات الأخرى.. لهذه الأسباب كلها أصبحنا نعيش أزمنة ثقافية مركبة ساهمت فيها أطراف شتى، إلى درجة أصبحنا نخشى فيها على مصير الأجيال المتعاقبة التي أراها شخصيا تعيش هي الأخرى إعاقة أسسنا لها إجماعا، فرادى وجماعات ومؤسسات وحكومات، فهل يا ترى من عاقل يستطيع أن يرجع المتسللين إلى الثقافة إلى صوابهم... أسئلة تبقى رهينة بأفق انتظارنا..

    الدكتور عبد السلام فزازي جامعة ابن زهر باكادير

    الفساد الثقافي...الدكتورعبدالسلام فزازي

    الفساد الثقافي...الدكتورعبدالسلام فزازي
    أن يعم الفساد كل القطاعات كاد الأمر يصبح واقعا لم نعد نناقشه إلا عندما ينتابنا إحساس بالغبن ونحن نقارن أنفسنا ببقية العالم الذي يحترم نفسه، وبالتالي مؤسساته، هذا العالم الذي شب على الطوق على عمق الديمقراطية وليس الذل ديموقراطية كما قال مفكرنا المهدي المنجرة... اجل، عمق الديمقراطية التي أصبحنا يتغنى بها في كتاباتنا عندما نمتطي المنصات المنبرية نحمل جثثنا المتهرئة في غياب جوانياتها ومصداقيتنا، ناهيك عن المنابر التي لم يعد يصدقها احد لأنها مجرد انعكاس بافلوفي لعمق إنسان العالم الثالث... نعلم من جيدا يحضر للقاءات الثقافية والفكرية هنا وهناك وعبر القارات الخمس، ومن يحضرها، ومن يجب أن يحضرها ومن لا يجب أن يفكر فيها أصلا، كما نعلم من هم دهاقنتها الذين كانوا بالأمس القريب يعبدون الأصنام إلى أن صاروا أنفسهم أصناما يريدوننا قربانا لهم، ودونهم البحر فليشربوه سما ناقعا.. حين نتتلمذ على أيادي أساتذة لنا صاروا مع مرور الزمن يتجاوزون مكانة آبائنا، ونجدهم يلهثون وراء الجوائز وهم في سباق غرائبي مع طلبتهم، هنا لا يسعنا إلا أن نطلق الثقافة طلاقا بائنا بينونة كبرى...أجل، نريد وبلا شك لأساتذتنا جوائز عالمية لنردد منتشين: أساتذتنا فعلا رسخوا تجاربهم محليا وعربيا ودوليا، وما أجمل أن نقتفي آثارهم ونقتدي بهم... لكن استغرب كيف يمكن لي أو اسمح لنفسي يوما أن أكون مقيما لإعمالهم أنا الذي كنت بالأمس اعتمر في محرابهم اقتات من معينهم، متمنيا أن أصير يوما ظلا لهم، وفيضا من عطاءاتهم... أكيد، انقلبت العملية القياسية بني أمي، حيث تعلمنا أن القياس يتم تبعا للقاعدة الفقهية على هذا المنوال: نقيس الفرع على الأصل، وليس العكس، إلى أن وصلنا إلى أن الأصل بدا يرتعد وينتظر من الفرع أن يقيم أعمال الأصول، وحتما ما اعتقد أن هناك من سيعترض على مسار من علمونا، وإلا فإننا يجب أن نساق فرادى وجماعات إلى مارستانات...كما قلت في عدة لقاءات ثقافية وطنية وعربية ودولية: أن العجب لم يعد عربيا، ولم يكن يوما عربيا، كما أن المستحيل ما عاد يحمل هوية عربية.. فمن سيصدق أن قامة مثل قامة شاعرنا محمد بنطلحة، الشاعر الكبير أقولها وأتحمل مسؤوليتي النقدية الأكاديمية، أجل شاعرنا سيسحب ترشيحه من جائزة المغرب بديوانه الرائع « اخسر السماء واربح الأرض»، وهو يعرف لماذا فعل لأنه ادري بواقع مؤسساتنا الثقافية التي لم تعد تغري المثقف الحقيقي الذي لا يريد أن يدخل سوق النخاسة، والحال أن القصيدة افتضحت منذ زمان في مثل هذه الاحتفالات الكرنفالية.. ونفس الشاعر الكبير سبق أن رفض جائزة الاركانة في الوقت التي يلهث وراءها المتشاعرون وبأي ثمن... وما دامت المناسبة شرط كما يقال، والتي تستوجب منا وقفة احترام وإجلال لمبدعنا واستأذنا احمد بوزفور الذي لقن ذات المؤسسات درسا في ماهية الرفض العميقة التي من المفروض أن يتولد عنها ما يسمى ب« الموقف».. ترى لماذا أصبحنا نعيش تراجعا غير مسبوق في المجال الثقافي الذي أصبحت تتحكم فيه المزاجية، والاخوانيات، والوصولية، والانبطاح إلى درجة لا يمكن أن يصدقها عاقل؟ ولماذا أصبحت الثقافة منهلا للفساد والريع إلى أن عم الفساد في مشارق الأرض ومغاربها..؟ وهنا لن أقف إطلاقا عند من تزوجوا زواجا كاثوليكيا استضافات معرض الكتاب وبطرق أصبحت بدورها لا تناقش في زمن استأسد فيها من كانوا بالأمس مجرد كومبارس إلى أن صاروا بقدرة قادر ينفخون ريشهم مثل الطواويس، واعتذر لهذا الطائر لأنه على الأقل لا يعاني من أي إعاقة عقلية ولا جسدية.. فتحية لشاعرنا الكبير لأنه أكبر من هذه الجائزة لأنك تعتبر مفخرة لنا وقدوة ومدرسة وموقفا؛ وتحية لاستأذنا وأستاذ الأجيال، والمدرسة القصصية احمد بوزفور على مواقفه الثابتة التي علمتنا أن الكبير يبقى كبيرا والأقزام تبقى أقزاما حتى ولو استعرت لهم طول جبال البرانس، وتبا لمن كانوا بالأمس أحذية متهرئة وصاروا يقررون في مصير من كانوا يرتعدون منهم إلى حد التبول.. فما أعدلك يا حجاج بن يوسف الثقفي أمام هذه الأقزام التي خرجت من تلابيبنا إلى أن صارت تتحكم في الرقاب والعباد ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف.. فيا ارض ابلعي هؤلاء قبل مائك فبهم ما عادت الثقافة عاشقة ولا معشوقة...
    أكيد لا يختلف اثنان على أننا في أمس الحاجة إلى ثقافة ومثقف يسوقان للمتلقي المغربي أولا، والمغاربي ثانيا، والعربي ثالثا، بل حتى الكوني نوعا من الوعي الذي افتقدناه مع الأسف الشديد لما اختلط علينا الحابل بالنابل مع ثلة من الإخوة الذين نصبوا أنفسهم سدنة على الثقافة، واختاروا أن يجعلوا منها عشيرة يحج ألينا كل سنة وفي كل مناسبة نفس الوجوه، وبطرق شتى بعيدا عن الانفتاح على الرؤى والأفكار التي ربما يمتلكها الغير وما أكثرهم، والحال أن هذا الوطن معطاء في شتى الميادين، ومن خلال أسماء واعدة أريد لها أن تبقى حيث هي اعتقادا منهم أنهم سيربكون حساباتهم الضيقة والتي تحمل ما تحمل من خبايا تفصح عن نفسها، ولم تعد معروفة لدى الأجيال التي تدرك على أن هناك من يعمل على إقبار مفهوم الحرية في سبيل ربط وسائل وسبل التعبيري عبر مثقفين يحملون حقا في كتاباتهم حياة الإنسان بقضاياها وهمومها.. ولهذا علينا اليوم أن نعترف جهرا أن هناك لوبيات وصلت إلى مراكز القرار واستهوتها المصالح الفردية، والمكاسب المادية، ولهذا ننصح بالابتعاد عن الانزلاق إلى أسلوب الاخوانيات وووو... وهذا ما يجعل ثقافتنا تصطدم مع هؤلاء إلى ثقافة السوق والمعارض التي لا تستقطب إلا نفس الأسماء التي ملتها فضاءات ذات المعارض وذات اللقاءات.. ليصير المثقف الواعد الذي حظ له في ولوج هذا العالم الموبوء عبارة عن مبدعين يشبهون غيوما عابرة في سماء فصل ملون يختلط فيه الإبداع أو بالأحرى الثقافة برغبات السوق، والرفاه، والجمهور الذي مل المعارض ونفس الوجوه فعانق الغياب إلى أن يحضر من يعيد للثقافة بريقها والقها والمدافعين عنها غيرة، وهذا بالطبع يتطلب نضجا سيكولوجيا، وديمقراطية مواطنة، وحيادا مطلقا يطلق الانبطاحية، والتزلف، ومحاربة الأنا البغيضة والجديرة بالبغض.. ورب متسائل يتساءل: كيف يمكن التخلص من هذا الداء الذي أصاب جسم وروح الثقافة؟ أكيد يجب مواجهة الرؤى الثقافوية المصاحبة لفكرة التمركز أولا، لأنها هيمنت إلى درجة جعلتنا وكأننا في مواجهة بين المركزي والهامشي.. هناك هيمنة ثابتة تتسع سيطرة وسيادة رغم أن الذين انيطت بهم مهمة المسؤولية على الثقافة لا ينتمون أصلا إلى المركز لكن سرعان ما روضهم واقع الحال فدجنوا واستجابوا بافلوفيا لساداتهم .. ولهذا نتمنى وبكل تجرد وتعال بلورة مشروع ثقافي يستهدف الوعي الحقيقي ابتداء من الذات، وصولا إلى الذات الجماعية، خارج أشكال الامتثال التي عشناها وها هي لم تبرح مكانها على الإطلاق.. وفي هذا النطاق، أرى أن ادوارد سعيد، كم كان محقا حين قال: إن ما يرسم الخط الفاصل والمهم بين مفهوم جماليات التخلف ومفهوم الجماليات المحلية القومية، هو شكل التعامل مع مكونات الثقافة وأيضا أشكال توظيفها..
    ولعلنا نلمس وبجلاء أن الفعل الثقافي رغم ما يعيشه من تشرذم وسلبيات، يساهم فيها بعض المثقفين أنفسهم من المفروض أن يعاد فيه النظر بغية التصالح مع العالم بعيدا عن المثبطات التي ابتلي به الحقل الثقافي، والتي أصبحنا نرى أن هذه السلبيات كانت في الحقيقة سببا في تطور بديل لما هو رسمي حيث برزت إلى الوجود جمعيات جعلت المؤسسات الموبوءة تتوارى شيئا فشيئا وربما أنها بصدد العيش في غرغرتها الخيرة لأنها زاغت عن الفعل الثقافي الذي طالما حلمت به أجيال متعاقبة.. وهكذا، أصبحنا بفعل ظهور هذه الجمعيات نعيش نوعا من التغيير وإعادة تأسيس صرح ثقافي يمتد بل يتوق نحو العالمية، على اعتبار أن الثقافة أولا وأخيرا تربية منفتحة على الحقول الأدبية بتشكلاتها المتنوعة، والحال أنها تتصل جذريا بماهية الحياة.. وما دام الأمر كذلك، فإنه يتطلب من المثقف أن يعانق قيم الحداثة في توهجها كبديل لما هو سائد ومحنط لا يستجيب قطعا لتقلبات زمن حداثي وحديث؛ ولعل الأمر لا يختلف فيه اثنان، ونحن نعلم أن لا ثقافة مواطنة وفاعلة في المجتمع في غياب مثقف كارزماتي يذكي ويساهم في سبيل إنتاج فكر طلائعي تفاعلي مع المحيط، وصولا إلى الكونية.. ولهذه الأسباب أصبح المثقف الغيور على الفعل الثقافي النابع من الجذور والمتطلع إلى الكونية، أجل، أصبح مفروضا عليه استيعاب كل التحولات التي يعيشها العالم وبشكل سريع، وهذا الاستيعاب وحده من سيعيد للفعل الثقافي روحه وجوانيته التي عبرها ومن خلالها يمكن أن تبنى الثقافة المغربية خاصة، والثقافة الكونية عامة، علما أن المغرب يزخر بالتنوع الثقافي واللغوي الذي يؤهله إلى الوصول إلى المبتغى شريطة إعادة النظر في تركيبة الجمعيات الثقافية التي أصابها فيروس الفساد لا لشيء إلا أننا حقا أصبحنا نعيش غياب حكمة « الإنسان المناسب في المكان المناسب..»، سيما تلك الجمعيات التي راكمت ما راكمته من عطاء، لكن مع الأسف الشديد تراجعت عنه.. ولعل غياب النوادي السينمائية، والمنابر الثقافية الجادة، وانفتاح الجامعات والمعاهد على المحيط فعلا لا قولا فقط خير دليل على ما نحن عليه اليوم... وهذا بكل تأكيد راجع أيضا إلى غياب سياسة ثقافية فاعلة إلى درجة أوصلتها على حين غرة إلى وهم التشدق بالتنمية المستدامة التي تعتبرها مجرد تنويم مغناطيسي ليس إلا.. وفي هذا الإطار تندرج بجلاء الحكمة القائلة « أعطيني ميزانية وزارة ثقافة دولة ما، أعطيك من تكون ».
    وأكيد أن مناضرة طنجة الأخيرة التي شاركنا في اوراشها ولمدة يومين وبدون توقف وبحضور وازن، وبالاشتغال في اوراش شاملة جامعة مانعة، كانت تغطية بل تعرية للفعل الثقافي توصل إليها العالم العربي عبر ممثليه في المناضرة، معية حضور وازن للدول الغربية؛ أجل توصلت اللجان إلى تحديد خبايا تقهقر الفعل الثقافي انبثقت عن المناضرة هذه توصيات وصلت إلى الوزارات، والحكومات الممثلة في المناضرة، ترى ماذا لو طبق منها الثلث فقط؟ أكيد سوف نكون قد أعدنا الروح للثقافة التي عاشت الغرغرة لسنين عددا.. الم يكن من اللازم أن نصل حقا إلى حوار الثقافات ومد الجسور بيننا وبقية العالم؟ ألم يكن من السهل اليسير علينا أن ندخل عالم العولمة مدججين بترسانة من المعارف التي يزخر بها أبناء هذا الوطن المعطوب ثقافيا، والحال أن جلهم يحقق ما يحققه من انجازات دولية، إلا أنهم مع الأسف الشديد لم يستأنسوا رشدا بسياسة ثقافية وطنية ديمقراطية بعد أن داهمهم الإفلاس الذي أتى على الثقافة ككل، وأصبحنا نتساءل في استغراب على حد قول شاعرنا الدكتور محمد السرغيني ونحن نردد قوله: « ترى من فعل هذا بجماجمكم »؟.. وها نحن نرى الدولة خارج صلب التربية والتعليم وصولا إلى المجتمع، حيث أغلقت علينا أبواب الانفتاح على الثقافات الأخرى.. لهذه الأسباب كلها أصبحنا نعيش أزمنة ثقافية مركبة ساهمت فيها أطراف شتى، إلى درجة أصبحنا نخشى فيها على مصير الأجيال المتعاقبة التي أراها شخصيا تعيش هي الأخرى إعاقة أسسنا لها إجماعا، فرادى وجماعات ومؤسسات وحكومات، فهل يا ترى من عاقل يستطيع أن يرجع المتسللين إلى الثقافة إلى صوابهم... أسئلة تبقى رهينة بأفق انتظارنا..

    الدكتور عبد السلام فزازي جامعة ابن زهر باكادير

    نشر في : 8:49 م |  من طرف ABDOUHAKKI

    الأحد، 8 مارس 2015

    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل :سعيد منتاق
    تعود مسؤولية مظاهر الفساد الثقافي إلى اتحاد كتاب المغرب بالدرجة الأولى، لأن الذي يكوى بالنار هو الذي يعرف قيمتها
    خاص بالمجلة
    1. ما هو موقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة؟
    أعتقد أن المشهد المغربي لا تكتنفه الضبابية بل الضعف والفوضى وذلك لأسباب عديدة نذكر منها ما يلي:
    -غياب اتحاد كتاب فعال ونشط: مذ تعرفت على وجود اتحاد كتاب المغرب وأنا أسمع عن الصراعات بين التوجهات الحزبية لكل كاتب على حدة أو عن صراعات ذات بعد شخصي تروم تحقيق المصلحة الخاصة، مثل الوصول إلى رئاسة الاتحاد أو الطموح إلى حقائب وزارية. ومع الأسف حتى أولئك الذين أصبحوا وزراء نسوا اهتمامهم الثقافي وساهموا في ركود الإبداع بالمغرب.
    -غياب لجان علمية صادقة في تقويمها للإنتاج الثقافي، بعيدة عن النقد اللين للحفاظ على الصداقة أو الانتماء الحزبي، وكانت النتيجة فوضى في الإبداع وضعف في الإنتاج. فلا غرابة إذن أن يصرح شخص ما بأنه كتب رواية في أسبوع ويجد من يصفق له ويعتبره مفكرا!
    -محدودية آفاق الكاتب الفكرية: هل الكاتب المغربي شغوف بمعرفة ما يصدر في العالم؟ لا أعتقد ذلك، والدليل واضح من إصداراته: كيف يعقل أن أقرأ إصدارا مغربيا معاصرا وهو لا يزال يتحدث عن نقد البنيوية؟ لماذا لم يتبلور بالمغرب منهج الدراسات الثقافية وهو منهج قد انتشر في العالم بأسره؟ أو النقد الإيكولوجي؟ إن الكاتب أو الناقد المغربي لا يهتم بما يجري في العالم ولا أفهم لم يشتكي بعض النقاد المغاربة من اهتمام القراء بالآداب العالمية. إن من يتذوق الأطباق الشهية لا يمكنه أن يستمتع بوليمة تنقصها كل الوصفات الضرورية.
    2.   أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في اهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهر الفساد الثقافي أم فيهما معا؟
    تعود مسؤولية مظاهر الفساد الثقافي إلى اتحاد كتاب المغرب بالدرجة الأولى، لأن الذي يكوى بالنار هو الذي يعرف قيمتها. فالمثقف الذي لا غيرة له على الثقافة لا يمكن أن يسهم بأية حال من الأحوال في التطور الثقافي ببلاده. كان على اتحاد كتاب المغرب منذ زمن بعيد أن يفرض بالنضال المستديم على وزارة الثقافة تقنين الإنتاج الثقافي وفرض عقوبات زجرية على دور النشر التي لا تتوفر على لجن علمية نزيهة وعقود قانونية محترمة ماديا ومعنويا. لماذا أفضل مثلا أن أصدر كتابا بالإنجليزية في الولايات المتحدة وأخاف أن أقوم بالفعل نفسه بالمغرب؟ لأن لدي ضمانات قانونية بالولايات المتحدة يخولها العقد الذي أمضيته مع دار النشر والمحكمة التي يمكن اللجوء إليها في حالة خلاف بيني وبين دار النشر المعنية. هل هذا ممكن بالمغرب؟ لا داعي للجواب ولا للاستغراب من مظاهر الفساد الثقافي.
    3.   ما هي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الاعتبار لدور الثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية اليوم وغدا؟
    وإن كنت أرى ضبابية في مستقبل الشأن الثقافي، سأحاول الإجابة على هذا السؤال بإيجاز: نحن في حاجة إلى مثقف غيور على الإبداع عموما، مناهض للمصلحة والحسابات الحزبية الضيقة، شغوف بالبحث عن الجديد، صادق في تقويمه لأي إنتاج ثقافي، لا يسمح ضميره بالمحاباة ولا التملق ويدافع باستماتة على الجودة وإعادة الاعتبار للكتاب والكتاب المخلصين في أعمالهم الإبداعية.

    سعيد منتاق

    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل :سعيد منتاق

    الثقافة المغربية بين ضبابية الواقع وتطلعات المستقبل :سعيد منتاق
    تعود مسؤولية مظاهر الفساد الثقافي إلى اتحاد كتاب المغرب بالدرجة الأولى، لأن الذي يكوى بالنار هو الذي يعرف قيمتها
    خاص بالمجلة
    1. ما هو موقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة؟
    أعتقد أن المشهد المغربي لا تكتنفه الضبابية بل الضعف والفوضى وذلك لأسباب عديدة نذكر منها ما يلي:
    -غياب اتحاد كتاب فعال ونشط: مذ تعرفت على وجود اتحاد كتاب المغرب وأنا أسمع عن الصراعات بين التوجهات الحزبية لكل كاتب على حدة أو عن صراعات ذات بعد شخصي تروم تحقيق المصلحة الخاصة، مثل الوصول إلى رئاسة الاتحاد أو الطموح إلى حقائب وزارية. ومع الأسف حتى أولئك الذين أصبحوا وزراء نسوا اهتمامهم الثقافي وساهموا في ركود الإبداع بالمغرب.
    -غياب لجان علمية صادقة في تقويمها للإنتاج الثقافي، بعيدة عن النقد اللين للحفاظ على الصداقة أو الانتماء الحزبي، وكانت النتيجة فوضى في الإبداع وضعف في الإنتاج. فلا غرابة إذن أن يصرح شخص ما بأنه كتب رواية في أسبوع ويجد من يصفق له ويعتبره مفكرا!
    -محدودية آفاق الكاتب الفكرية: هل الكاتب المغربي شغوف بمعرفة ما يصدر في العالم؟ لا أعتقد ذلك، والدليل واضح من إصداراته: كيف يعقل أن أقرأ إصدارا مغربيا معاصرا وهو لا يزال يتحدث عن نقد البنيوية؟ لماذا لم يتبلور بالمغرب منهج الدراسات الثقافية وهو منهج قد انتشر في العالم بأسره؟ أو النقد الإيكولوجي؟ إن الكاتب أو الناقد المغربي لا يهتم بما يجري في العالم ولا أفهم لم يشتكي بعض النقاد المغاربة من اهتمام القراء بالآداب العالمية. إن من يتذوق الأطباق الشهية لا يمكنه أن يستمتع بوليمة تنقصها كل الوصفات الضرورية.
    2.   أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في اهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهر الفساد الثقافي أم فيهما معا؟
    تعود مسؤولية مظاهر الفساد الثقافي إلى اتحاد كتاب المغرب بالدرجة الأولى، لأن الذي يكوى بالنار هو الذي يعرف قيمتها. فالمثقف الذي لا غيرة له على الثقافة لا يمكن أن يسهم بأية حال من الأحوال في التطور الثقافي ببلاده. كان على اتحاد كتاب المغرب منذ زمن بعيد أن يفرض بالنضال المستديم على وزارة الثقافة تقنين الإنتاج الثقافي وفرض عقوبات زجرية على دور النشر التي لا تتوفر على لجن علمية نزيهة وعقود قانونية محترمة ماديا ومعنويا. لماذا أفضل مثلا أن أصدر كتابا بالإنجليزية في الولايات المتحدة وأخاف أن أقوم بالفعل نفسه بالمغرب؟ لأن لدي ضمانات قانونية بالولايات المتحدة يخولها العقد الذي أمضيته مع دار النشر والمحكمة التي يمكن اللجوء إليها في حالة خلاف بيني وبين دار النشر المعنية. هل هذا ممكن بالمغرب؟ لا داعي للجواب ولا للاستغراب من مظاهر الفساد الثقافي.
    3.   ما هي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الاعتبار لدور الثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية اليوم وغدا؟
    وإن كنت أرى ضبابية في مستقبل الشأن الثقافي، سأحاول الإجابة على هذا السؤال بإيجاز: نحن في حاجة إلى مثقف غيور على الإبداع عموما، مناهض للمصلحة والحسابات الحزبية الضيقة، شغوف بالبحث عن الجديد، صادق في تقويمه لأي إنتاج ثقافي، لا يسمح ضميره بالمحاباة ولا التملق ويدافع باستماتة على الجودة وإعادة الاعتبار للكتاب والكتاب المخلصين في أعمالهم الإبداعية.

    سعيد منتاق

    نشر في : 7:30 م |  من طرف ABDOUHAKKI
    الثقافة المغربية وسؤال المثقف: عَقَقْتَهُ قبلَ أن يَعُقَّك بقلم: الدكتور خالد التوزاني[1]
        إن من يتأمل المشهد الثقافي المغربي يدرك من الوهلة الأولى دون حاجة لكثير من الوقت أن جهل المثقف المغربي بثقافته المغربية هو جزء من أزمة هذا المثقف
     خاص بالمجلة
    لا جدال في أن الثقافة المغربية تشكل ثروة لامادية مؤهلة للإسهام في نهضة المغرب وازدهاره، وتقديم حلول لواقع معقد، يتسم بالتشابك بين تيارات وافدة وثقافات دخيلة، والجدير بالذكر أن تلك الثقافات الوافدة في سياق الحداثة والانفتاح وثورة الاتصال تجد من يدعمها ويقويها ويحميها، في حين تظل الثقافة المغربية تصارع لوحدها داخل هذا الخضم، ولا تجد من يساندها أو يرفع لواء كشف كنوزها وذخائرها. إن الصراع بين الثقافات اليوم في عالم الإعلام والانفتاح الكوني على كل المجتمعات يعمل على إضعاف بعض الثقافات وإبراز أخرى بحسب حجم الاهتمام وتسليط الأضواء، وقد تنقرض بعض الخصوصيات أمام زحف الكونية وتيارات قادمة من أقصى الشرق أو الغرب، ولا شك أن الثقافة المغربية في الوقت الحاضر تعيش وضعا يحتاج لمن يشخِّصُه بموضوعية والتزام بعيدا عن أي خلفية سياسية أو إيديولوجية أو نفعية ضيقة، ونستطيع القول إن الحديث عن الثقافة المغربية هو نفسه أحد التحديات الكبرى التي تواجهها هذه الثقافة من أبنائها قبل أن تصطدم بالآخر البعيد.
       كثيرا ما أساء بعض المثقفين المنتمين للمغرب إلى الثقافة المغربية، ربما بوعي أو بغير وعي، من خلال ما يكتبونه أو ما يصرحون به، ولعل هذه الإساءة غير المقصودة راجعة بالأساس لعاملين اثنين، يمكن إجمالهما في "الجهل بالثقافة المغربية" و "الانبهار بثقافات وافدة" مع ما يترتب عن هذين العاملين من آثار ونتائج تكشف جزءا من مأساة المثقف المغربي، ويمكن أن نفصّل القول في هذين العاملين من خلال الآتي:
    -       أولاً: جهل بعض المثقفين بما تتضمنه الثقافة المغربية من رصيد ضخم من الحضارة المغربية في أبهى حللها وأجمل عصورها، في كل حقول المعرفة ومجالات الإبداع وميادين الحياة، حتى شكَّلت هذه الثقافة ذلك الاستثناء المغربي عبر التاريخ في تفردها وتميزها بخصوصية محلية واستقلالية في الفكر والمنهج عن كل ثقافات العالم الأخرى عربية وأجنبية. هذا التفرد والاستثناء الذي يطبع الثقافة المغربية يمثل جزءا من النبوغ المغربي على مر العصور والأزمنة، ويفسر ريادة المغرب عبر تاريخه الطويل الحافل بالمنجزات الكبيرة في العلوم والآداب والعمران والحضارة، وهو رصيد ضخم من الإنجازات التاريخية لم يتم استثماره بعد في تحولات المجتمع المغربي ضمن السياق المعاصر وخاصة أمام تأثيرات ثقافات وافدة غريبة عن خصوصية الثقافة المغربية، الشيء الذي يجعل بعض الشباب المغربي في حيرة وارتباك ويعرضه لقبول تيارات لا تمت بصلة لبلده المغرب وتاريخه وهويته. إن من صنع هذه الثغرة، هو ذلك "المثقف المغربي" الذي لم يكلف نفسه عناء البحث في ثقافته المغربية ومعرفة ملامح هويته الأصيلة وتجليات القوة في حضارته وتاريخ أمته المغربية، فيعمل على كشف أبعاد هذه الثقافة وامتداداتها في الواقع المغربي باستثمارها في أعماله الثقافية. إن من يتأمل المشهد الثقافي المغربي يدرك من الوهلة الأولى دون حاجة لكثير من الوقت أن جهل المثقف المغربي بثقافته المغربية هو جزء من أزمة هذا المثقف، وخلل في الرؤية وقصور في المنهج وفقدان لبوصلة تحديد أولوياته، فحديث بعض المثقفين المغاربة عن تهميشهم وعدم دعم "إنتاجاتهم الفكرية والإبداعية" وتبخيس دورهم.. وغير ذلك من سيل شكواهم وسرد تذمرهم من واقع الثقافة في المغرب، إنما هو حديث يكشف بوضوح لكل متأملٍ في المشهد الثقافي بالمغرب عن الوجه الآخر للمثقف المغربي، وهو "عجز" اندماج بعض المثقفين في سيرورة الثقافة المغربية وخصوصياتها، حيث يغيب البعد الوطني في كثير من الاجتهادات الفكرية والأدبية بل المؤسف أن نجد بعض الأعمال التي تسيء للثقافة المغربية من حيث لا تشعر، وخاصة عندما تستحضر بوعي أو بغير وعي ذلك الانبهار الملفت للانتباه بثقافات أخرى بعيدة وافدة، لا لشيء إلا لأن مجتمعاتها حققت رخاءً ماديا وحرية مزعومة في الاعتقاد والانتقاد. إن المثقف المغربي ينبغي أن ينطلق من "مغربيته" وهويته وحضارته أولاً دون انتظارٍ لمن يشكر صنيعه أو يثني على مجهوده أو يقدم له دعما ماديا بنشر أعماله وتكريمه والاحتفاء به.. وإن كان يستحق كل ذلك، لكن لا ينبغي أن تكون هذه الغايات النفعية الضيقة منطلقا وموئلا في العمل الثقافي، بل يعمل المثقف على شاكلة رواد الثقافة العربية وعمالقة الحضارة المغربية الذين كافحوا علميا وأدبيا وناضلوا ثقافيا، وهم كثر لا يحصيهم عدد، أمثال عبد الله كنون وعبد الله الجراري والمختار السوسي.. وغيرهم من "المثقفين الحقيقيين" الذين دافعوا عن الثقافة المغربية وكشفوا عن نبوغ المغرب وتفرده بين سائر الشعوب والأمم، وهي القيم التي يحتاجها المغرب اليوم للاستمرار في رقيه ونهوضه وبناء حضارة مؤثرة وفاعلة لا متأثرة أو منفعلة، وهو دور –ولاشك- يقوم به بعض أعلام الثقافة المغربية في الوقت الراهن، وإن كنا لا نراهم في وسائل الإعلام ولا نسمع بهم، فالعيب في القارئ الذي لا يبحث والمثقف الذي لا يقرأ ولا ينقب فلا يُطوّر معارفه ومهاراته، إن المثقف المغربي عندما يلعب دور الضحية ويشرع في لوم المسؤولين عن تدبير  سياسة الثقافة بالمغرب، يكون لومه في الحقيقة مجرد تخلص لا واعي من المسؤولية الذاتية الملقاة على عاتقه والتي لم يتمكن من الوفاء بها، وكذلك تقصيره في المجهود الثقافي الذي ينبغي أن لا يكون مرتبطا بأي وجه من أوجه التقدير أو الاهتمام، فالعلم والأدب خير شرف لصاحبه وخدمة الوطن مقامٌ لا يعرف قدره إلا عرف قدر بلده وما في وطنه من خير وصلاح، بهذا ترتقي الثقافة في الأوطان ويفرح الناس بالمثقف.
    -       ثانيا: قد يكون وراء تبخيس بعض المثقفين المغاربة لثقافتهم المحلية وحضارتهم الوطنية دون وعي منهم، ذلك الانبهار بالثقافات الأخرى الوافدة، والإعجاب المبالغ فيه بما عند الآخر البعيد، على الرغم من أن المحلي والوطني قد يتضمن على مستوى الثقافة أفضل مما عند ذلك الآخر، فنجد بعض المثقفين المغاربة –للأسف- يبحثون عن أفكار جديدة في ثقافات بعيدة لا تمت بصلة للمغرب وذلك من أجل إثبات اجتهادهم، وإنْ تحرَكَ بعضهم بدافعٍ طيب ورغبة صادقة في إغناء الثقافة المغربية والإسهام في انفتاح المغرب والاستفادة من الثقافات الأخرى، إلا أن أعمالهم تظل بعيدة عن اهتمامات المتلقي والقارئ المغربي فيعزف عن مشاهدتها ومتابعتها وقد ينتقدها فينتقد من ورائها ذلك المثقف الذي لم يعرف كيف يستفيد من ثقافات الآخر في دعم ثقافة المغرب وترسيخ الهوية وبناء الوطنية، لأنه لا يكفي الاقتباس من الآخر بل ينبغي معرفة ما يحتاجه سياق المغرب فعلا وما يتطلبه الراهن، وألا تكون الغاية هي لفت الانتباه وإمتاع المتلقي المغربي بالجديد والغريب والعجيب، في سياق الترفيه وتزجية أوقات الفراغ والتخلص من ضغوطات الواقع، بل المطلوب تقديم حلول إبداعية جديدة لمشكلات هذا الواقع وتحولاته، وتأكيد الارتباط بالوطن والهوية والتاريخ والحضارة المغربية في أبعادها المشرقة وتجلياتها الريادية التي صنعت كفاءة الإنسان المغربي ونبوغه وجعلته يتبوأ مكانة مرموقة في أوساط اجتماعية أقصى الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.. حتى يشعر المتلقي المغربي بقيمة الراهن وجدوى الاستمرار في البناء الحضاري للأمة، وليس الإحساس بالغبن والألم والحرمان كما تحاول تكريسه بعض الأعمال الثقافية لمثقفين مغاربة لم يدركون قيمة ما عندهم فلهثوا وراء ما عند الآخر، وظل المتلقي والقارئ المغربي في شوق لمغربيته المغيبة وحيرة أمام ما ينتجه المثقف المغربي: هل يُنتِجُ ما يصلح للمغرب ويقويه، أم يساير التيارات الوافدة ويبدي انبهاره بها بغثها وسمينها دون تكريس النقد الثقافي النزيه والجريء والتزام الحياد والنقل الحذر وفتح آفاق جديدة للسؤال والتمحيص وتعميق النقاش وتنويع زوايا النظر..؟ وغير ذلك من الممارسات الثقافية التي ولا شك ستعيد للمثقف المغربي مكانته وريادته إنْ أحسنَ توظيفها وكان منصتا جيدا للثقافة المغربية وللمتلقي المغربي وما يريده ويطلبه ويرجوه، أما إن بقي مستغرقا في انبهاره بالثقافات الأخرى الوافدة فسيظل مغيبا من اهتمام القارئ المغربي وإن عرف بعض الاهتمام فهو اهتمام زائف ومؤقت سرعان ما يضمحل، لأن ما قام على الغير ذهب به الغير، وما تأسس على الذات ترسخ في هذه الذات ونمى وترعرع وأثمر الخير والزرع. إن المثقف المغربي عندما ينتقد المشهد الثقافي بالمغرب ويرفع صوت المطالبة برد الاعتبار لمبادراته واجتهاداته ينسى أو لا ينتبه إلى أمر هام وخطير، وهو أنه قد تنكر لانشغالات هذا المشهد الذي ينتقده ويتذمر منه وانسلخ من خصوصيات ثقافته المحلية في أعماله وإبداعاته، ثم يشكو ظلم أهله.. وهو قد سبقهم بالظلم وعقَّهم قبل أن يعقوه؛ عندما لم يضع الثقافة المغربية ضمن أولوياته وانشغالاته، فخاطب القوم بما لم يفهموه وتكلم بما لم يعرفوه، فهل كان حقا عليهم أن ينصفوه؟
    وأخير، إن المثقف المغربي المعاصر الذي لا يمل من إبداء قلقه وتذمره من وضع لا يعترف بجهوده ولا يقر باجتهاده ولا يبالي بأعماله، لم يتجرأ هذا المثقف على مراجعة الذات وسؤال النفس وتقويم الحصيلة وقراءة الحاضر وفق معطيات حضارية جديدة لم ينتبه إليها من قبل. ولعل عامل الجهل بالثقافة المغربية إلى جانب الانبهار بالثقافات الأخرى، قد شكَّل عائقا أمام كل طموح نحو تخليق الفعل الثقافي بالمغرب وتحديث آليات الفكر والمنهج والارتقاء بوضع الثقافة والمثقف في عالم ينزع نحو الكونية ويلتهم الخصوصيات ليقبر حضارات منافسه له.
    رؤية من الهامش
    عققته قبل أن يعقك: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يشكو إليه عقوق ابنه؛ فأحضر عمر بن الخطاب ابنه وأنَّبَه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: "يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟. قال: "بلى". قال: "فما هي يا أمير المؤمنين؟". قال: "أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب، أي: القرآن". فقال الابن: "يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئـًا من ذلك؛ أما أمي فإنها كانت لمجوسي، وقد سماني جعلاً -أي: جعرانًا-، ولم يعلمني من الكتاب حرفـًا واحدًا"!. فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل، وقال له: "أجئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك؟!".
        وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بشخوص ووقائع أخرى وفي سياق مختلف، مع عبرة واحدة وفائدة مستنيرة في ما حدث، حيث ينطبق الأمر نفسه مع المثقف المغربي باعتباره أباً مزعوما لمشهد ثقافي في الحاضر يتنكر لبعض آبائه ولا يبر بهم، فيسيح الأب/المثقف المغربي في الأرض شاكيا عقوق ابنه/المشهد الثقافي بالمغرب، وينسى المسكين أنه قد عقَّ ولَده قبل أن يعقه هذا الأخير.. فهل يمكن للمثقف المغربي أن يكفِّر عن خطيئة البُعد، ويعود لاحتضان ثقافته والإنصات لحضارة أمته؟ تلك معادلة الارتقاء بالمثقف نفسه عبر خوض تكوين عصامي ذاتي ومؤسساتي لنيل أرفع الدرجاتِ في فهم خصوصياتِ الثقافة المغربية والنبوغ المغربي، وكما قال الإمام الغزَّالي: "المشهد هناك لمن يريد أن يراه".



    [1]  باحث أكاديمي مغربي متخصص في الأدب المغربي والتصوف والنقد الثقافي   touzani79@hotmail.com

    الدكتور خالد التوزاني

    الثقافة المغربية وسؤال المثقف: عَقَقْتَهُ قبلَ أن يَعُقَّك بقلم: الدكتور خالد التوزاني[1]
        إن من يتأمل المشهد الثقافي المغربي يدرك من الوهلة الأولى دون حاجة لكثير من الوقت أن جهل المثقف المغربي بثقافته المغربية هو جزء من أزمة هذا المثقف
     خاص بالمجلة
    لا جدال في أن الثقافة المغربية تشكل ثروة لامادية مؤهلة للإسهام في نهضة المغرب وازدهاره، وتقديم حلول لواقع معقد، يتسم بالتشابك بين تيارات وافدة وثقافات دخيلة، والجدير بالذكر أن تلك الثقافات الوافدة في سياق الحداثة والانفتاح وثورة الاتصال تجد من يدعمها ويقويها ويحميها، في حين تظل الثقافة المغربية تصارع لوحدها داخل هذا الخضم، ولا تجد من يساندها أو يرفع لواء كشف كنوزها وذخائرها. إن الصراع بين الثقافات اليوم في عالم الإعلام والانفتاح الكوني على كل المجتمعات يعمل على إضعاف بعض الثقافات وإبراز أخرى بحسب حجم الاهتمام وتسليط الأضواء، وقد تنقرض بعض الخصوصيات أمام زحف الكونية وتيارات قادمة من أقصى الشرق أو الغرب، ولا شك أن الثقافة المغربية في الوقت الحاضر تعيش وضعا يحتاج لمن يشخِّصُه بموضوعية والتزام بعيدا عن أي خلفية سياسية أو إيديولوجية أو نفعية ضيقة، ونستطيع القول إن الحديث عن الثقافة المغربية هو نفسه أحد التحديات الكبرى التي تواجهها هذه الثقافة من أبنائها قبل أن تصطدم بالآخر البعيد.
       كثيرا ما أساء بعض المثقفين المنتمين للمغرب إلى الثقافة المغربية، ربما بوعي أو بغير وعي، من خلال ما يكتبونه أو ما يصرحون به، ولعل هذه الإساءة غير المقصودة راجعة بالأساس لعاملين اثنين، يمكن إجمالهما في "الجهل بالثقافة المغربية" و "الانبهار بثقافات وافدة" مع ما يترتب عن هذين العاملين من آثار ونتائج تكشف جزءا من مأساة المثقف المغربي، ويمكن أن نفصّل القول في هذين العاملين من خلال الآتي:
    -       أولاً: جهل بعض المثقفين بما تتضمنه الثقافة المغربية من رصيد ضخم من الحضارة المغربية في أبهى حللها وأجمل عصورها، في كل حقول المعرفة ومجالات الإبداع وميادين الحياة، حتى شكَّلت هذه الثقافة ذلك الاستثناء المغربي عبر التاريخ في تفردها وتميزها بخصوصية محلية واستقلالية في الفكر والمنهج عن كل ثقافات العالم الأخرى عربية وأجنبية. هذا التفرد والاستثناء الذي يطبع الثقافة المغربية يمثل جزءا من النبوغ المغربي على مر العصور والأزمنة، ويفسر ريادة المغرب عبر تاريخه الطويل الحافل بالمنجزات الكبيرة في العلوم والآداب والعمران والحضارة، وهو رصيد ضخم من الإنجازات التاريخية لم يتم استثماره بعد في تحولات المجتمع المغربي ضمن السياق المعاصر وخاصة أمام تأثيرات ثقافات وافدة غريبة عن خصوصية الثقافة المغربية، الشيء الذي يجعل بعض الشباب المغربي في حيرة وارتباك ويعرضه لقبول تيارات لا تمت بصلة لبلده المغرب وتاريخه وهويته. إن من صنع هذه الثغرة، هو ذلك "المثقف المغربي" الذي لم يكلف نفسه عناء البحث في ثقافته المغربية ومعرفة ملامح هويته الأصيلة وتجليات القوة في حضارته وتاريخ أمته المغربية، فيعمل على كشف أبعاد هذه الثقافة وامتداداتها في الواقع المغربي باستثمارها في أعماله الثقافية. إن من يتأمل المشهد الثقافي المغربي يدرك من الوهلة الأولى دون حاجة لكثير من الوقت أن جهل المثقف المغربي بثقافته المغربية هو جزء من أزمة هذا المثقف، وخلل في الرؤية وقصور في المنهج وفقدان لبوصلة تحديد أولوياته، فحديث بعض المثقفين المغاربة عن تهميشهم وعدم دعم "إنتاجاتهم الفكرية والإبداعية" وتبخيس دورهم.. وغير ذلك من سيل شكواهم وسرد تذمرهم من واقع الثقافة في المغرب، إنما هو حديث يكشف بوضوح لكل متأملٍ في المشهد الثقافي بالمغرب عن الوجه الآخر للمثقف المغربي، وهو "عجز" اندماج بعض المثقفين في سيرورة الثقافة المغربية وخصوصياتها، حيث يغيب البعد الوطني في كثير من الاجتهادات الفكرية والأدبية بل المؤسف أن نجد بعض الأعمال التي تسيء للثقافة المغربية من حيث لا تشعر، وخاصة عندما تستحضر بوعي أو بغير وعي ذلك الانبهار الملفت للانتباه بثقافات أخرى بعيدة وافدة، لا لشيء إلا لأن مجتمعاتها حققت رخاءً ماديا وحرية مزعومة في الاعتقاد والانتقاد. إن المثقف المغربي ينبغي أن ينطلق من "مغربيته" وهويته وحضارته أولاً دون انتظارٍ لمن يشكر صنيعه أو يثني على مجهوده أو يقدم له دعما ماديا بنشر أعماله وتكريمه والاحتفاء به.. وإن كان يستحق كل ذلك، لكن لا ينبغي أن تكون هذه الغايات النفعية الضيقة منطلقا وموئلا في العمل الثقافي، بل يعمل المثقف على شاكلة رواد الثقافة العربية وعمالقة الحضارة المغربية الذين كافحوا علميا وأدبيا وناضلوا ثقافيا، وهم كثر لا يحصيهم عدد، أمثال عبد الله كنون وعبد الله الجراري والمختار السوسي.. وغيرهم من "المثقفين الحقيقيين" الذين دافعوا عن الثقافة المغربية وكشفوا عن نبوغ المغرب وتفرده بين سائر الشعوب والأمم، وهي القيم التي يحتاجها المغرب اليوم للاستمرار في رقيه ونهوضه وبناء حضارة مؤثرة وفاعلة لا متأثرة أو منفعلة، وهو دور –ولاشك- يقوم به بعض أعلام الثقافة المغربية في الوقت الراهن، وإن كنا لا نراهم في وسائل الإعلام ولا نسمع بهم، فالعيب في القارئ الذي لا يبحث والمثقف الذي لا يقرأ ولا ينقب فلا يُطوّر معارفه ومهاراته، إن المثقف المغربي عندما يلعب دور الضحية ويشرع في لوم المسؤولين عن تدبير  سياسة الثقافة بالمغرب، يكون لومه في الحقيقة مجرد تخلص لا واعي من المسؤولية الذاتية الملقاة على عاتقه والتي لم يتمكن من الوفاء بها، وكذلك تقصيره في المجهود الثقافي الذي ينبغي أن لا يكون مرتبطا بأي وجه من أوجه التقدير أو الاهتمام، فالعلم والأدب خير شرف لصاحبه وخدمة الوطن مقامٌ لا يعرف قدره إلا عرف قدر بلده وما في وطنه من خير وصلاح، بهذا ترتقي الثقافة في الأوطان ويفرح الناس بالمثقف.
    -       ثانيا: قد يكون وراء تبخيس بعض المثقفين المغاربة لثقافتهم المحلية وحضارتهم الوطنية دون وعي منهم، ذلك الانبهار بالثقافات الأخرى الوافدة، والإعجاب المبالغ فيه بما عند الآخر البعيد، على الرغم من أن المحلي والوطني قد يتضمن على مستوى الثقافة أفضل مما عند ذلك الآخر، فنجد بعض المثقفين المغاربة –للأسف- يبحثون عن أفكار جديدة في ثقافات بعيدة لا تمت بصلة للمغرب وذلك من أجل إثبات اجتهادهم، وإنْ تحرَكَ بعضهم بدافعٍ طيب ورغبة صادقة في إغناء الثقافة المغربية والإسهام في انفتاح المغرب والاستفادة من الثقافات الأخرى، إلا أن أعمالهم تظل بعيدة عن اهتمامات المتلقي والقارئ المغربي فيعزف عن مشاهدتها ومتابعتها وقد ينتقدها فينتقد من ورائها ذلك المثقف الذي لم يعرف كيف يستفيد من ثقافات الآخر في دعم ثقافة المغرب وترسيخ الهوية وبناء الوطنية، لأنه لا يكفي الاقتباس من الآخر بل ينبغي معرفة ما يحتاجه سياق المغرب فعلا وما يتطلبه الراهن، وألا تكون الغاية هي لفت الانتباه وإمتاع المتلقي المغربي بالجديد والغريب والعجيب، في سياق الترفيه وتزجية أوقات الفراغ والتخلص من ضغوطات الواقع، بل المطلوب تقديم حلول إبداعية جديدة لمشكلات هذا الواقع وتحولاته، وتأكيد الارتباط بالوطن والهوية والتاريخ والحضارة المغربية في أبعادها المشرقة وتجلياتها الريادية التي صنعت كفاءة الإنسان المغربي ونبوغه وجعلته يتبوأ مكانة مرموقة في أوساط اجتماعية أقصى الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.. حتى يشعر المتلقي المغربي بقيمة الراهن وجدوى الاستمرار في البناء الحضاري للأمة، وليس الإحساس بالغبن والألم والحرمان كما تحاول تكريسه بعض الأعمال الثقافية لمثقفين مغاربة لم يدركون قيمة ما عندهم فلهثوا وراء ما عند الآخر، وظل المتلقي والقارئ المغربي في شوق لمغربيته المغيبة وحيرة أمام ما ينتجه المثقف المغربي: هل يُنتِجُ ما يصلح للمغرب ويقويه، أم يساير التيارات الوافدة ويبدي انبهاره بها بغثها وسمينها دون تكريس النقد الثقافي النزيه والجريء والتزام الحياد والنقل الحذر وفتح آفاق جديدة للسؤال والتمحيص وتعميق النقاش وتنويع زوايا النظر..؟ وغير ذلك من الممارسات الثقافية التي ولا شك ستعيد للمثقف المغربي مكانته وريادته إنْ أحسنَ توظيفها وكان منصتا جيدا للثقافة المغربية وللمتلقي المغربي وما يريده ويطلبه ويرجوه، أما إن بقي مستغرقا في انبهاره بالثقافات الأخرى الوافدة فسيظل مغيبا من اهتمام القارئ المغربي وإن عرف بعض الاهتمام فهو اهتمام زائف ومؤقت سرعان ما يضمحل، لأن ما قام على الغير ذهب به الغير، وما تأسس على الذات ترسخ في هذه الذات ونمى وترعرع وأثمر الخير والزرع. إن المثقف المغربي عندما ينتقد المشهد الثقافي بالمغرب ويرفع صوت المطالبة برد الاعتبار لمبادراته واجتهاداته ينسى أو لا ينتبه إلى أمر هام وخطير، وهو أنه قد تنكر لانشغالات هذا المشهد الذي ينتقده ويتذمر منه وانسلخ من خصوصيات ثقافته المحلية في أعماله وإبداعاته، ثم يشكو ظلم أهله.. وهو قد سبقهم بالظلم وعقَّهم قبل أن يعقوه؛ عندما لم يضع الثقافة المغربية ضمن أولوياته وانشغالاته، فخاطب القوم بما لم يفهموه وتكلم بما لم يعرفوه، فهل كان حقا عليهم أن ينصفوه؟
    وأخير، إن المثقف المغربي المعاصر الذي لا يمل من إبداء قلقه وتذمره من وضع لا يعترف بجهوده ولا يقر باجتهاده ولا يبالي بأعماله، لم يتجرأ هذا المثقف على مراجعة الذات وسؤال النفس وتقويم الحصيلة وقراءة الحاضر وفق معطيات حضارية جديدة لم ينتبه إليها من قبل. ولعل عامل الجهل بالثقافة المغربية إلى جانب الانبهار بالثقافات الأخرى، قد شكَّل عائقا أمام كل طموح نحو تخليق الفعل الثقافي بالمغرب وتحديث آليات الفكر والمنهج والارتقاء بوضع الثقافة والمثقف في عالم ينزع نحو الكونية ويلتهم الخصوصيات ليقبر حضارات منافسه له.
    رؤية من الهامش
    عققته قبل أن يعقك: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يشكو إليه عقوق ابنه؛ فأحضر عمر بن الخطاب ابنه وأنَّبَه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: "يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟. قال: "بلى". قال: "فما هي يا أمير المؤمنين؟". قال: "أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب، أي: القرآن". فقال الابن: "يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئـًا من ذلك؛ أما أمي فإنها كانت لمجوسي، وقد سماني جعلاً -أي: جعرانًا-، ولم يعلمني من الكتاب حرفـًا واحدًا"!. فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل، وقال له: "أجئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك؟!".
        وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بشخوص ووقائع أخرى وفي سياق مختلف، مع عبرة واحدة وفائدة مستنيرة في ما حدث، حيث ينطبق الأمر نفسه مع المثقف المغربي باعتباره أباً مزعوما لمشهد ثقافي في الحاضر يتنكر لبعض آبائه ولا يبر بهم، فيسيح الأب/المثقف المغربي في الأرض شاكيا عقوق ابنه/المشهد الثقافي بالمغرب، وينسى المسكين أنه قد عقَّ ولَده قبل أن يعقه هذا الأخير.. فهل يمكن للمثقف المغربي أن يكفِّر عن خطيئة البُعد، ويعود لاحتضان ثقافته والإنصات لحضارة أمته؟ تلك معادلة الارتقاء بالمثقف نفسه عبر خوض تكوين عصامي ذاتي ومؤسساتي لنيل أرفع الدرجاتِ في فهم خصوصياتِ الثقافة المغربية والنبوغ المغربي، وكما قال الإمام الغزَّالي: "المشهد هناك لمن يريد أن يراه".



    [1]  باحث أكاديمي مغربي متخصص في الأدب المغربي والتصوف والنقد الثقافي   touzani79@hotmail.com

    نشر في : 9:11 ص |  من طرف ABDOUHAKKI

    السبت، 7 مارس 2015

    المشهد الثقافي المغربي:   دينامية ..  وأعطاب :عبد الجليل طليمات                                                                     1
    ليس المشهد الثقافي المغربي بتلك القتامة التي توحي بها أسئلة هذا الملف . هناك فعلا اختلالا ت ومفارقات و ظواهر مخلة بوظيفة الثقافة والمثقف ودورهما في المجتمع, ولكن قبل أي رصد لها وحديث عنها سيكون من باب الموضوعية والإنصاف الاعتراف بما راكمته الثقافة المغربية ,  فكرا وأدبا وفنونا من إنجازات هامة على طريق التحديث الفكري والنهضة الثقافية المأمولة وذلك رغم مختلف العوائق والإكراهات الموضوعية والذاتية, ورغم مقاومات قوى التقليد والمحافظة والاستبداد لكل جديد وتنويري  في حقل الفكر والإبداع .  وهاهنا تحضرني مشاريع ثقافية كبرى أضحت مرجعا لا غنى عنه ,أذكر منها على سبيل المثال مشروع عبد العروي , ومشروع الراحل محمد عابد الجابري,ومشاريع عبد الفتاح كيليطو ومحمد مفتاح في الحقل الأدبي , إضافة إلى إسهامات جيل جديد ونوعي من المفكرين والباحثين في مختلف المجالات الفلسفية والأدبية وفي العلوم الاجتماعية , ومن المبدعين في الأدب والفنون ..     
    بناءا على هذا الإقرار بخصوبة الحقل الثقافي المغربي ونوعية إنتاجاته وتنوعها , يمكن وصف الوضع الثقافي بأنه  دينامي , تراكمي ومتعدد ",  " يتبارى"  فيه  أكثر من مشروع ومدرسة, ويحتضن خطابات متنوعة ومختلفة بل ومتعارضة كذلك : الخطاب النقدي العقلاني التنويري التحديثي , إلى جانب , وفي مواجهة , الخطاب الماضوي المكرس لقيم المحافظة والتقليد.  ويمكن ملاحظة أن الخطاب الأول أكثر فاعلية وإنتاجية وجاذبية, كما يعكس ذلك مثلا الخطاب النقدي للتراث والخطاب النسائي و الخطاب الحقوقي والخطاب الأمازيغي.. , وهي الخطابات التي حطمت الكثير من" الطابوهات", وأسست لمقاربات  أكثر جرأة  لمظاهر تخلف مجتمعنا الفكرية منها والاجتماعية والقيمية .. ولا يسع المجال هنا لعرض أمثلة من تلك الخطابات والمقاربات .. 
     في ضوء هذا  التوصيف العام للمشهد الثقافي من حيث نوعيته وإنتاجيته وتراكماته المعرفية والإبداعية , يتضح أن  الفاعل الرئيسي والمحرك لدينامية الحقل الثقافي المغربي هو المجتمع المدني بمختلف مكوناته وأطيافه : مبدعون ومفكرون ومتخصصون في العلوم الاجتماعية وحقوقيون  ..الخ منتظمون في هيئات أو مراكز للبحث أو جمعيات واتحادات, وليس الدولة , فالدولة يبقى دورها الثقافي جد محدود   في هذه الدينامية والحيوية التي  وسمت  الفعل الثقافي بالمغرب منذ  السنوات  الأولى  للاستقلال.     
    2
    إن نقطة الضعف الأساسية للمشهد الثقافي المغربي هو الاستقالة شبه التامة للدولة من مسؤولياتها في توفير الشروط المادية والمؤسسية للنهوض بالفعل الثقافي وجعل إشعاعه متاحا في كل الفضاءات بربوع البلاد ,فدور الدولة في هذا المجال ينبغي أن يتمحور حول توفير البنيات التحتية الضرورية للممارسة الثقافية وتوزيعها بشكل متوازن وعادل بين المدن والقرى على الصعيد الوطني . إن سياسات الدولة العمومية فشلت خلال العقود الماضية في سن استرتيجية ثقافية مندمجة في مجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية , وتعاطت مع الشأن الثقافي بمنظور فولكلوري ومناسباتي للثقافة, وببخل ما بعده بخل في الإنفاق على مشاريع ثقافية جادة يتم تبريره دائما من طرف الوزارة الوصية  بهزالة الميزانيات  المخصصة لها , وفي ذلك اعتراف منها بأن الثقافة هي آخر ما  اهتمت وتهتم به الحكومات المتعاقبة . وهكذا  تحولت   وزارة الثقافة في الحكومات المتعاقبة _ على اختلاف مشارب وانتماءات الوزراء المعينين _ إلى مجرد جهاز إداري يسير أضعف ميزانية , ويبرمج كيفية تصريفها تحت عنوان " الدعم " الذي هو في واقع الأمر " صدقة" موزعة بمعايير لم تكن دائما مرضية ,  ويشرف ( الجهاز الإداري) عل تنظيم مهرجانات بلا أثر ولا وقع  ولا إشعاع , ليبقى المعرض ا لدولي السنوي للكتاب وحده أبرز منجزاته ...  
     وإذا أضفنا إلى غياب سياسة ثقافية عمومية للدولة , غياب مؤسسات ثقافية مهيكلة ونشيطة ومتجاوبة مع " الطلب على الثقافة ",  فإن صورة المشهد المختل ستكتمل أمامنا , خاصة وأن المؤسسة الثقافية التاريخية التي احتضنت المثقفين على مختلف انتماءاتهم ومرجعياتهم ومجالات تخصصهم المتمثلة في اتحاد كتاب المغرب , دخلت منذ سنوات في حالة من التواري والتراجع بفعل أسباب لا ثقافية في جلها مما أفقد هذه المؤسسة  التي أصبحت " ذات  منفعة  عامة" وهجها وإشعاعها ومصداقيتها في عيون نخب كثيرة من المثقفين والباحثين والمبدعين .. وما يجري اليوم داخلها وبين " أهلها " هو خير دليل على ما بلغته معضلة المأسسة للفعل الثقافي من مأزق حقيقي .. وأنا أطرح مسألة الحاجة إلى مأسسة المشهد الثقافي في ظل محدودية فعل وزارة الثقافة , وتراجع دور اتحاد كتاب المغرب أتساءل هنا  : ألم يحن الوقت لتعويض وزارة الثقافة " بمجلس وطني أعلى   للثقافة"  يأخذ فيه المثقفون الفاعلون أمور تدبير الشأن الثقافي بأيديهم, ويتمتع بالاستقلالية التي تفرضها طبيعة الممارسة الثقافية ؟        
                                                                                             3
       لاشك  في أن  المتابع  للوضع الثقافي المغربي  ستوقفه سمة أصبحت من سماته المميزة له تتمثل في تعدد وتنامي مراكز الأبحاث والدراسات في مختلف الحقول والتخصصات , وهي سمة تعكس ما سميته   دينامية المشهد الثقافي المغربي وتعدديته , إلا أن هذا " الانفجار" للمشهد الثقافي برغم إيجابياته على المستوى العلمي التخصصي فإنه فتت هذا المشهد , بحيث أصبح عبارة عن " أرخبيل من الجزر" :  فلا تواصل ولا تفاعل  بين  هذه المراكز, ولا تركيب لإنجازاتها العلمية , رغم ما لبعضها  من إضافات نوعية في مجا ل البحث الاجتماعي والدراسات الاقتصادية والقانونية والحقوقية .. 
      ولعل من المظاهر التي تضفي كثيرا من " الضبابية " عل المشهد الثقافي أيضا ظهور نمط من المثقفين ك " المثقف الخبير " و" المثقف الإعلامي " وهو نمط أصبح مغريا في عصر الصورة وتكنولوجيا الاتصال الجديدة , ما جعل فئة من المثقفين من هذا النوع تنشغل أكثر بصورتها وكيفية تسويقها أكثر من اهتمامها بالخطاب ذاته المطلوب إتقان تبليغه  , ما  يفسر تهافت هذا النمط من المثقفين على تناول جميع الموضوعات  تحت صفة " محلل أو خبير " , ولنا أمثلة كثيرة عن مهازل بعضهم  وهم  " يتعالمون " في ما يجهلون ...    
    هناك أيضا نقيصة أساسية في الوضع الثقافي المغربي اليوم وهي التراجع الكبير للتناول النقدي  للإنتاج  الأدبي على غرار ما كان عليه النقد الأدبي خصوصا في السبعينات والثمانينات , ما أدى  إلى  تراكم إنتاجات أدبية في الشعر والقصة والرواية وفي المسرح والسينما دون أن تواكبه  عملية نقدية تساهم في التطور النوعي للعملية الإبداعية عموما , وفي التواصل بين الفاعلين في المجال الثقافي بدل الميولات السلبية , التي أضحت مهيمنة , نحوالانعزالية والفر دانية و اللاعتراف بالآخر أو تجاهله..  وكلها مسلكيات تعبر, إلى جانب أخرى, عن اهتزاز في القيم لا يتلاءم مع غايات الفعل الثقافي عموما .   

    تلك بإيجاز بعض أعطاب المشهد الثقافي المغربي , والتي  بالإمكان تجاوزها بمأسسة التدبير العقلاني   للشأن الثقافي, و بدعم مجهود ومشاريع الفاعل الثقافي ماديا ومعنويا  , أشخاصا وهيئات وجمعيات ومراكز أبحاث وأندية ثقافية  ...الخ ,و بالعمل الجماعي والإشعاعي التنويري الذي يربط الجسور بين الإنتاج الثقافي وبين أوسع فئات المجتمع ,و بإعادة الاعتبار لقيم التواضع والإحترام  للإختلاف  , والحوار المنتج والمحفز على عطاء دائم ونوعي , ثم  بالإنخراط الفاعل والموجه في دينامية التحولات الجارية في المجتمع بدل التعالي عليها , وبكلمة مثقفونا مطالبون اليوم جماعات وفرادى, كل من موقع تخصصه, أن " يشعلوا شمعة بدل أن يلعنوا الظلام  , و يستعيدوا  المبادرة , إذ لاتقدم  ولا إصلاح ولا تغيير بدون الدور الفاعل والوازن والمؤطر للثقافة والمثقفين ..   

    المشهد الثقافي المغربي: دينامية .. وأعطاب :عبد الجليل طليمات

    المشهد الثقافي المغربي:   دينامية ..  وأعطاب :عبد الجليل طليمات                                                                     1
    ليس المشهد الثقافي المغربي بتلك القتامة التي توحي بها أسئلة هذا الملف . هناك فعلا اختلالا ت ومفارقات و ظواهر مخلة بوظيفة الثقافة والمثقف ودورهما في المجتمع, ولكن قبل أي رصد لها وحديث عنها سيكون من باب الموضوعية والإنصاف الاعتراف بما راكمته الثقافة المغربية ,  فكرا وأدبا وفنونا من إنجازات هامة على طريق التحديث الفكري والنهضة الثقافية المأمولة وذلك رغم مختلف العوائق والإكراهات الموضوعية والذاتية, ورغم مقاومات قوى التقليد والمحافظة والاستبداد لكل جديد وتنويري  في حقل الفكر والإبداع .  وهاهنا تحضرني مشاريع ثقافية كبرى أضحت مرجعا لا غنى عنه ,أذكر منها على سبيل المثال مشروع عبد العروي , ومشروع الراحل محمد عابد الجابري,ومشاريع عبد الفتاح كيليطو ومحمد مفتاح في الحقل الأدبي , إضافة إلى إسهامات جيل جديد ونوعي من المفكرين والباحثين في مختلف المجالات الفلسفية والأدبية وفي العلوم الاجتماعية , ومن المبدعين في الأدب والفنون ..     
    بناءا على هذا الإقرار بخصوبة الحقل الثقافي المغربي ونوعية إنتاجاته وتنوعها , يمكن وصف الوضع الثقافي بأنه  دينامي , تراكمي ومتعدد ",  " يتبارى"  فيه  أكثر من مشروع ومدرسة, ويحتضن خطابات متنوعة ومختلفة بل ومتعارضة كذلك : الخطاب النقدي العقلاني التنويري التحديثي , إلى جانب , وفي مواجهة , الخطاب الماضوي المكرس لقيم المحافظة والتقليد.  ويمكن ملاحظة أن الخطاب الأول أكثر فاعلية وإنتاجية وجاذبية, كما يعكس ذلك مثلا الخطاب النقدي للتراث والخطاب النسائي و الخطاب الحقوقي والخطاب الأمازيغي.. , وهي الخطابات التي حطمت الكثير من" الطابوهات", وأسست لمقاربات  أكثر جرأة  لمظاهر تخلف مجتمعنا الفكرية منها والاجتماعية والقيمية .. ولا يسع المجال هنا لعرض أمثلة من تلك الخطابات والمقاربات .. 
     في ضوء هذا  التوصيف العام للمشهد الثقافي من حيث نوعيته وإنتاجيته وتراكماته المعرفية والإبداعية , يتضح أن  الفاعل الرئيسي والمحرك لدينامية الحقل الثقافي المغربي هو المجتمع المدني بمختلف مكوناته وأطيافه : مبدعون ومفكرون ومتخصصون في العلوم الاجتماعية وحقوقيون  ..الخ منتظمون في هيئات أو مراكز للبحث أو جمعيات واتحادات, وليس الدولة , فالدولة يبقى دورها الثقافي جد محدود   في هذه الدينامية والحيوية التي  وسمت  الفعل الثقافي بالمغرب منذ  السنوات  الأولى  للاستقلال.     
    2
    إن نقطة الضعف الأساسية للمشهد الثقافي المغربي هو الاستقالة شبه التامة للدولة من مسؤولياتها في توفير الشروط المادية والمؤسسية للنهوض بالفعل الثقافي وجعل إشعاعه متاحا في كل الفضاءات بربوع البلاد ,فدور الدولة في هذا المجال ينبغي أن يتمحور حول توفير البنيات التحتية الضرورية للممارسة الثقافية وتوزيعها بشكل متوازن وعادل بين المدن والقرى على الصعيد الوطني . إن سياسات الدولة العمومية فشلت خلال العقود الماضية في سن استرتيجية ثقافية مندمجة في مجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية , وتعاطت مع الشأن الثقافي بمنظور فولكلوري ومناسباتي للثقافة, وببخل ما بعده بخل في الإنفاق على مشاريع ثقافية جادة يتم تبريره دائما من طرف الوزارة الوصية  بهزالة الميزانيات  المخصصة لها , وفي ذلك اعتراف منها بأن الثقافة هي آخر ما  اهتمت وتهتم به الحكومات المتعاقبة . وهكذا  تحولت   وزارة الثقافة في الحكومات المتعاقبة _ على اختلاف مشارب وانتماءات الوزراء المعينين _ إلى مجرد جهاز إداري يسير أضعف ميزانية , ويبرمج كيفية تصريفها تحت عنوان " الدعم " الذي هو في واقع الأمر " صدقة" موزعة بمعايير لم تكن دائما مرضية ,  ويشرف ( الجهاز الإداري) عل تنظيم مهرجانات بلا أثر ولا وقع  ولا إشعاع , ليبقى المعرض ا لدولي السنوي للكتاب وحده أبرز منجزاته ...  
     وإذا أضفنا إلى غياب سياسة ثقافية عمومية للدولة , غياب مؤسسات ثقافية مهيكلة ونشيطة ومتجاوبة مع " الطلب على الثقافة ",  فإن صورة المشهد المختل ستكتمل أمامنا , خاصة وأن المؤسسة الثقافية التاريخية التي احتضنت المثقفين على مختلف انتماءاتهم ومرجعياتهم ومجالات تخصصهم المتمثلة في اتحاد كتاب المغرب , دخلت منذ سنوات في حالة من التواري والتراجع بفعل أسباب لا ثقافية في جلها مما أفقد هذه المؤسسة  التي أصبحت " ذات  منفعة  عامة" وهجها وإشعاعها ومصداقيتها في عيون نخب كثيرة من المثقفين والباحثين والمبدعين .. وما يجري اليوم داخلها وبين " أهلها " هو خير دليل على ما بلغته معضلة المأسسة للفعل الثقافي من مأزق حقيقي .. وأنا أطرح مسألة الحاجة إلى مأسسة المشهد الثقافي في ظل محدودية فعل وزارة الثقافة , وتراجع دور اتحاد كتاب المغرب أتساءل هنا  : ألم يحن الوقت لتعويض وزارة الثقافة " بمجلس وطني أعلى   للثقافة"  يأخذ فيه المثقفون الفاعلون أمور تدبير الشأن الثقافي بأيديهم, ويتمتع بالاستقلالية التي تفرضها طبيعة الممارسة الثقافية ؟        
                                                                                             3
       لاشك  في أن  المتابع  للوضع الثقافي المغربي  ستوقفه سمة أصبحت من سماته المميزة له تتمثل في تعدد وتنامي مراكز الأبحاث والدراسات في مختلف الحقول والتخصصات , وهي سمة تعكس ما سميته   دينامية المشهد الثقافي المغربي وتعدديته , إلا أن هذا " الانفجار" للمشهد الثقافي برغم إيجابياته على المستوى العلمي التخصصي فإنه فتت هذا المشهد , بحيث أصبح عبارة عن " أرخبيل من الجزر" :  فلا تواصل ولا تفاعل  بين  هذه المراكز, ولا تركيب لإنجازاتها العلمية , رغم ما لبعضها  من إضافات نوعية في مجا ل البحث الاجتماعي والدراسات الاقتصادية والقانونية والحقوقية .. 
      ولعل من المظاهر التي تضفي كثيرا من " الضبابية " عل المشهد الثقافي أيضا ظهور نمط من المثقفين ك " المثقف الخبير " و" المثقف الإعلامي " وهو نمط أصبح مغريا في عصر الصورة وتكنولوجيا الاتصال الجديدة , ما جعل فئة من المثقفين من هذا النوع تنشغل أكثر بصورتها وكيفية تسويقها أكثر من اهتمامها بالخطاب ذاته المطلوب إتقان تبليغه  , ما  يفسر تهافت هذا النمط من المثقفين على تناول جميع الموضوعات  تحت صفة " محلل أو خبير " , ولنا أمثلة كثيرة عن مهازل بعضهم  وهم  " يتعالمون " في ما يجهلون ...    
    هناك أيضا نقيصة أساسية في الوضع الثقافي المغربي اليوم وهي التراجع الكبير للتناول النقدي  للإنتاج  الأدبي على غرار ما كان عليه النقد الأدبي خصوصا في السبعينات والثمانينات , ما أدى  إلى  تراكم إنتاجات أدبية في الشعر والقصة والرواية وفي المسرح والسينما دون أن تواكبه  عملية نقدية تساهم في التطور النوعي للعملية الإبداعية عموما , وفي التواصل بين الفاعلين في المجال الثقافي بدل الميولات السلبية , التي أضحت مهيمنة , نحوالانعزالية والفر دانية و اللاعتراف بالآخر أو تجاهله..  وكلها مسلكيات تعبر, إلى جانب أخرى, عن اهتزاز في القيم لا يتلاءم مع غايات الفعل الثقافي عموما .   

    تلك بإيجاز بعض أعطاب المشهد الثقافي المغربي , والتي  بالإمكان تجاوزها بمأسسة التدبير العقلاني   للشأن الثقافي, و بدعم مجهود ومشاريع الفاعل الثقافي ماديا ومعنويا  , أشخاصا وهيئات وجمعيات ومراكز أبحاث وأندية ثقافية  ...الخ ,و بالعمل الجماعي والإشعاعي التنويري الذي يربط الجسور بين الإنتاج الثقافي وبين أوسع فئات المجتمع ,و بإعادة الاعتبار لقيم التواضع والإحترام  للإختلاف  , والحوار المنتج والمحفز على عطاء دائم ونوعي , ثم  بالإنخراط الفاعل والموجه في دينامية التحولات الجارية في المجتمع بدل التعالي عليها , وبكلمة مثقفونا مطالبون اليوم جماعات وفرادى, كل من موقع تخصصه, أن " يشعلوا شمعة بدل أن يلعنوا الظلام  , و يستعيدوا  المبادرة , إذ لاتقدم  ولا إصلاح ولا تغيير بدون الدور الفاعل والوازن والمؤطر للثقافة والمثقفين ..   

    نشر في : 9:03 م |  من طرف ABDOUHAKKI
    الوضع الثقافي بالمغرب ....انتهى زمن العرافات عبد الإله بسكمار
    بالمختصر المفيد ، أخوكم  يؤمن بالثفافة كحاملة للقيم ورافعة لها  ... القناعة تتأسس على الثقافة الملتحمة بقضايا مجتمعنا ، الساعية لفهم المحيط والمتوجهة نحو المستقبل ، والمحور دائما هو الإنسان ، وبديهي هنا أن المفهوم يتعلق بالإطار الخاص للثقافة أي الفكر والإبداع والفن في مختلف تمظهراتها وفي إخلاصها وصدقيتها ( أقصد النبل الفني والمعرفي )  وتمثلها الجمالي للواقع السريع التحولات والذي تسعى عدد من الآليات الجهنمية إلى تعليبه وتبضيعه وعبره صنع إنسان ذي بعد واحد( أي بالأحرى تضبيعه ) : الاستهلاك ومنطق السوق ولاشيء سواهما....لقد طغى التهافت والتنميط والاستسهال على كل المجالات الثقافية في حين تراجع الفهم الرصين والفكر العميق والإبداع القلق المتسائل عبر عولمة كاسحة أدت وتؤدي ثمنها الشعوب المستضعفة بشكل عام وداخل المجتمعات زادت الهوة بين الفئات مما عمق التناقضات بدل أوهام مجتمع الرفاهية الذي بشرت به القطبية الأحادية.... رغم وجود أصوات رافضة للوضع متمردة على الآلية والنمطية والسوقية العمياء ....
    الوضع أصبح كارثيا بالنسبة للثقافة المغربية ، تراجع الفكر والتحليل وإعمال الذهن والأفق النقدي  طيلة العقد الأخير ، علما بأنه هو نفسه إفراز لأوضاع وتراكمات سابقة عبرت عنها المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية ومن يسمون أنفسهم مثقفين  واستتبع المثقف أو " تاب إلى رشده " بالتفكير في " دواير الزمان " أو النكوص إلى الوراء ، وهنا توزع المثقفون طرائق قددا لكن الاتجاه الغالب هو محاولة النجاة بالذات .....باع الكثيرون مواقفهم وضمائرهم وقيمهم وأصبحوا مجرد لاهطين على موائد السلطة أو خماسين لديها ، وفي أفضل الأحوال" رباعين " ساعين إلى  " الدغميرة " وما أدراك ما " الدغميرة " وتحول آخرون إلى " نكافات " في المقاهي والأرصفة المعتمة  وطغت مسلكيات الأغلفة المعلومة والدوائر المغلقة عن المجتمع بما يميزها من وصولية وانتهازية وبزنسة حتى إذا هل الربيع المسمى عربيا بكل أحلامه الوردية ، كان المثقفون الذين عرفناهم في الساحة أو أكثرهم قد استقالوا من الفعل ورد الفعل بعد أن ابتلعهم السياسي الرث بكل بلطجته وشمكرته ووصل الحال بالبعض إلى التفنن في القوادة الثقافية من أجل كتابة عامة لفرع اتحاد الكتاب أو  برنامج تلفزيوني أو في سبيل موقع إداري رسمي أو من أجل تذكرة سفر إلى دولة أجنبية وحتى إلى مدينة مغربية باسم الشعر والسرد والزجل والتشكيل ....والمضحك في الأمر أن المسلكيات تلك تصبح هي الهدف النهائي لا الإبداع في حد ذاته مما يكشف عن مأساة حقيقية تعيشها الثقافة المغربية....طبعا هناك أصوات نقية لا زالت تندد وترفع عقيرتها ، لكنها للأسف الشديد  لم تعد مسموعة ولا كثيرة ....وأتمنى ألا يفهم كلامي بأنه دعوة إلى اليأس أو دعاية للظلام بمختلف تجلياته ....كما أنني لا أدعو إلى تبئيس المثقفين اجتماعيا ، فالوضع المادي اللائق بهذا الإنسان قد يتيح له على الأقل نوعا من الاطمئنان ، ولكن في إطار مؤسساتي واضح وليس بالمسلكيات الريعية الجارية منذ عقود ....
    لم تعمل الشبكة العنكبوتية سوى على تعميق المفارز والجراح رغم بعض الجوانب الإيجابية وبدل تعميق التواصل بشكل عقلاني هادف طغى الإسفاف والإستسهال في جميع المجالات واستبيحت اللغة في مختلف مستوياتها ...باختصار ، لا أحد بإمكانه أن يتنبأ حول أفق هذا المسار القاتم وسأكون كاذبا أو مجاملا إذا نسجت مثلما يفعل البعض صورة وردية للمستقبل ، لكن نأمل في الأقل ألا تكون خسائر التحولات فادحة باهضة على ثقافتنا ومغربنا العزيز ....
     كاتب روائي / باحث   

    الوضع الثقافي بالمغرب ....انتهى زمن العرافات عبد الإله بسكمار

    الوضع الثقافي بالمغرب ....انتهى زمن العرافات عبد الإله بسكمار
    بالمختصر المفيد ، أخوكم  يؤمن بالثفافة كحاملة للقيم ورافعة لها  ... القناعة تتأسس على الثقافة الملتحمة بقضايا مجتمعنا ، الساعية لفهم المحيط والمتوجهة نحو المستقبل ، والمحور دائما هو الإنسان ، وبديهي هنا أن المفهوم يتعلق بالإطار الخاص للثقافة أي الفكر والإبداع والفن في مختلف تمظهراتها وفي إخلاصها وصدقيتها ( أقصد النبل الفني والمعرفي )  وتمثلها الجمالي للواقع السريع التحولات والذي تسعى عدد من الآليات الجهنمية إلى تعليبه وتبضيعه وعبره صنع إنسان ذي بعد واحد( أي بالأحرى تضبيعه ) : الاستهلاك ومنطق السوق ولاشيء سواهما....لقد طغى التهافت والتنميط والاستسهال على كل المجالات الثقافية في حين تراجع الفهم الرصين والفكر العميق والإبداع القلق المتسائل عبر عولمة كاسحة أدت وتؤدي ثمنها الشعوب المستضعفة بشكل عام وداخل المجتمعات زادت الهوة بين الفئات مما عمق التناقضات بدل أوهام مجتمع الرفاهية الذي بشرت به القطبية الأحادية.... رغم وجود أصوات رافضة للوضع متمردة على الآلية والنمطية والسوقية العمياء ....
    الوضع أصبح كارثيا بالنسبة للثقافة المغربية ، تراجع الفكر والتحليل وإعمال الذهن والأفق النقدي  طيلة العقد الأخير ، علما بأنه هو نفسه إفراز لأوضاع وتراكمات سابقة عبرت عنها المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية ومن يسمون أنفسهم مثقفين  واستتبع المثقف أو " تاب إلى رشده " بالتفكير في " دواير الزمان " أو النكوص إلى الوراء ، وهنا توزع المثقفون طرائق قددا لكن الاتجاه الغالب هو محاولة النجاة بالذات .....باع الكثيرون مواقفهم وضمائرهم وقيمهم وأصبحوا مجرد لاهطين على موائد السلطة أو خماسين لديها ، وفي أفضل الأحوال" رباعين " ساعين إلى  " الدغميرة " وما أدراك ما " الدغميرة " وتحول آخرون إلى " نكافات " في المقاهي والأرصفة المعتمة  وطغت مسلكيات الأغلفة المعلومة والدوائر المغلقة عن المجتمع بما يميزها من وصولية وانتهازية وبزنسة حتى إذا هل الربيع المسمى عربيا بكل أحلامه الوردية ، كان المثقفون الذين عرفناهم في الساحة أو أكثرهم قد استقالوا من الفعل ورد الفعل بعد أن ابتلعهم السياسي الرث بكل بلطجته وشمكرته ووصل الحال بالبعض إلى التفنن في القوادة الثقافية من أجل كتابة عامة لفرع اتحاد الكتاب أو  برنامج تلفزيوني أو في سبيل موقع إداري رسمي أو من أجل تذكرة سفر إلى دولة أجنبية وحتى إلى مدينة مغربية باسم الشعر والسرد والزجل والتشكيل ....والمضحك في الأمر أن المسلكيات تلك تصبح هي الهدف النهائي لا الإبداع في حد ذاته مما يكشف عن مأساة حقيقية تعيشها الثقافة المغربية....طبعا هناك أصوات نقية لا زالت تندد وترفع عقيرتها ، لكنها للأسف الشديد  لم تعد مسموعة ولا كثيرة ....وأتمنى ألا يفهم كلامي بأنه دعوة إلى اليأس أو دعاية للظلام بمختلف تجلياته ....كما أنني لا أدعو إلى تبئيس المثقفين اجتماعيا ، فالوضع المادي اللائق بهذا الإنسان قد يتيح له على الأقل نوعا من الاطمئنان ، ولكن في إطار مؤسساتي واضح وليس بالمسلكيات الريعية الجارية منذ عقود ....
    لم تعمل الشبكة العنكبوتية سوى على تعميق المفارز والجراح رغم بعض الجوانب الإيجابية وبدل تعميق التواصل بشكل عقلاني هادف طغى الإسفاف والإستسهال في جميع المجالات واستبيحت اللغة في مختلف مستوياتها ...باختصار ، لا أحد بإمكانه أن يتنبأ حول أفق هذا المسار القاتم وسأكون كاذبا أو مجاملا إذا نسجت مثلما يفعل البعض صورة وردية للمستقبل ، لكن نأمل في الأقل ألا تكون خسائر التحولات فادحة باهضة على ثقافتنا ومغربنا العزيز ....
     كاتب روائي / باحث   

    نشر في : 8:39 م |  من طرف ABDOUHAKKI
    الدكتور مصطفى الغرافي باحث في البلاغة وتحليل الخطاب
    خاص بالمجلة
    ألف عبد الله كنون كتابه "النبوغ المغربي" من أجل إبراز الإسهام المغربي في الادب العربي .
    المشهد الإبداعي المغربي لا يبعث على الارتياح هذه الأيام حيث ترتفع أصوات المبدعين بالتذمر والشكوى من واقع ثقافي تخيم عليه مظاهر التراجع ويمكن تلخيص أزمة الابداع في تزايد العرض وضعف المقروئية. في الغرب احتفاء بالمعرفة وتشجيع للباحثين لا نجد لهما أثرا في واقعنا الثقافي. هناك تقاليد قرائية تجعل الإنسان الأروبي يقبل على التثقيف الذاتي من خلال قراءة الكتب والمجلات في المقهى والحدائق العامة ومحطات القطار مما يجعل فعل القراءة طقسا يوميا. أما عندنا فهناك تبخيس للكتاب الإبداعي الذي لا يقبل عليه أحد. ولذلك نجد بعض الكتاب الذين خاضوا مغامرة طبع كتبهم على نفقتهم الخاصة يحتفظون بها في بيوتهم أو يوزعونها بأنفسهم على المكتبات والأكشاك لكي تتعرض للتلف بسبب أشعة الشمس الحارقة أو أمطار الخير.
    بخصوص النقد يشهد المغرب ازدهارا نقديا ملحوظا ومشهودا. وقد أسهمت عوامل عديدة في تحقيق هذه النهضة النقدية أهمها انفتاح النقاد المغاربة على الثقافة الأوروبية في وقت مبكر الأمر الذي مكنهم من التعرف عن كثب على المناهج والاتجاهات التي كانت تمور بها الساحة النقدية الغربية. ينضاف إلى ذلك التحول الثقافي الذي عرفه المغرب منذ حصوله على الاستقلال إلى اليوم والمتمثل في تزايد عدد الجامعات مما أدى إلى ظهور أجيال جديدة من الباحثين والدارسين المتمرسين بقضايا النقد ومناهجه بعد التكوين الأكاديمي المتين الذي تلقوه على يد أساتذة أكفاء من جيل الرواد الذين سعوا إلى تطبيق المناهج الحديثة على نصوص عربية عديدة ومتنوعة بعدما أحاطوا بأسسها وتمثلوا أصولها. مما جعل جهود النقاد المغاربة تتبوأ مكانة رفيعة في المشهد النقدي العربي لما اتسمت به من جدة وطرافة. وقد شهد بهذا الازدهار النقدي في المغرب كثير من نقاد المشرق المتتبعين للحركة الثقافية في المغرب والمهتمين بما تعرفه من تطور وتحول في سياق الصيرورة التي تشهدها الثقافة العربية ككل. من هؤلاء جابر عصفور الذي خصص فصلا من كتابه "زمن الرواية" وسمه بـ "طفرة النقد المغربي" عرض فيه لمظاهر الازدهار النقدي في المغرب. وما من شك أن هذا الرأي يكشف أن إشعاع النقاد المغاربة وصل إلى عموم الوطن العربي. مما يعكس القيمة التجديدية للمنجز النقدي المغربي في نماذجه الناجحة والمشرقة.
    في مجال السرد يشهد المغرب حضورا  لافتا لهذا الجنس الأدبي  بمختلف تجلياته وتنويعاته ولا أدل على ذلك من أن كثيرا من المثقفين الذين عرفوا بالكتابة في مجالات معرفية وإبداعية بعيدة عن حقل السرد مثل الفلسفة والتاريخ لم يستطيعوا مقاومة فتنة السرد وغواية الرواية فكتبوا عديدا من النصوص السردية التي لقيت حفاوة كبيرة على مستوى التلقي والتداول على نحو ما تجسد في الأعمال الروائية التي كتبها عبد الله العروي وابن سالم حميش وأحمد التوفيق. بل إن بعض الشعراء انضموا إلى لائحة المفتونين بجنس الرواية مثل محمد الأشعري وحسن نجمي ومما أسهم في ازدهار السرد الروائي في المغرب الحفاوة منقطعة النظير التي لقيتها النصوص الروائية في محافل القراءة والتلقي، فهناك مواكبة نقدية حثيثة لما يصدر من قصص وروايات. فمن السهل أن يلحظ المتتبع أن الإنتاج السردي شكل المجال المفضل للتطبيقات النقدية المغربية. ولذلك نجد النظرية الأدبية الجديدة متطورة في حقل السرد أكثر منها في مجال الشعر. لأن أغلب النقاد الجدد في المغرب يبحثون في السرد ويطورون أدوات اشتغالهم في هذا المجال أكثر مما مما هو حاصل في الشعر. وهناك مؤشرات عديدة تثبت أن الرواية المغربية استطاعت أن تشق لنفسها مسارا خاصا على أرض الإبداع المغربي والعربي مما أكسبها فرادتها النوعية وخصوصيتها التعبيرية يشهد على ذلك أنها استطاعت أن تخلق لها جمهورا حقيقيا يظهر بشكل واضح في متابعات القراء ودراسات النقاد.
    فيما يخص المشهد الإعلامي المغربي يظهر من خلال استعراض أعمدة الرأي أن بعضها كان يحظى بمتابعة عالية وهو ما يظهر جليا من خلال نسبة المقروئية المرتفعة التي كان تحظى بها أعمدة الرأي التي كان يواظب على كتابتها كل من عبد الكريم غلاب "مع الشعب" و" عبد الرفيع الجواهري "نافذة" ومحمد الأشعري "عين العقل". لقد كانت كتاب هذه الأعمدة ينجحون في جذب انتباه القراء نظرا لما يطرحونه من قضايا لها ارتباط وثيق بحياة الناس ومشاغلهم. كما أن تمكن هؤلاء من وسائل الأداء جعلهم ينجحون في إقامة تواصل مؤثر وفعال مع قرائهم. فهؤلاء الثلاثة جاؤوا إلى الصحافة من بوابة الأدب وجميعهم يحترفون الكتابة الأدبية ويزاوجون بين الصحافة وممارسة جنس أدبي واحد أو أكثر. وهو ما مكنهم من اكتساب أدوات التعبير بطريقة تدفع القارئ إلى التفاعل مع المضامين الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تنطوي عليها كتاباتهم. يمكن أن يضاف لكل ذلك التزام كاتب الرأي تجاه قارئه مما يجعل القارئ يثق في آرائه ويتبع توجيهاته. أما في الوقت الراهن فقد تغيرت الأوضاع تماما خاصة بعد التطور الهائل الذي شهدته وسائط الاتصال الحديثة، مما نجم عنه ظهور الصحافة الالكترونية التي أصبحت تمثل منافسا قويا للصحافة المكتوبة. كما أنها أتاحت للأشخاص مساحة أكبر للتعبير عن الأفكار وتصريف القناعات من خلال التعليق المباشر على الأحداث والتفاعل معها. وربما يكون عمود رشيد نيني "شوف تشوف" حالة استثناء بين كتاب أعمدة الرأي في الصحافة المغربية حيث كان يحظى بنسبة متابعة عالية بالنظر الى القضايا السياسية والاجتماعية التي كان يثيرها ثم أسلوب الكتابة الذي يجمع بين اللغة المبسطة المطعمة بالدارجة وبين السخرية المحببة التي تفتح شهية قارئ الجرائد الذي هو "قارئ عام" في الأعم الأغلب. إن هجرة "الرأي" إلى المواقع الالكترونية (المدوّنات والمنتديات والمواقع الشخصية، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي) يجعلنا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهوم الكتابة الصحفية عموما والأدوات التي تعتمدها لتوصيل الفكرة والتعبير عن الرأي. لقد أصبح "الخبر" متاحا في المواقع الالكترونية وما نحتاجه هو "التحليل" و "التعليق" و"الرأي" بدل التركيز على "المعلومة". كما أن قارئ اليوم يفتقد الأسماء الإعلامية الكبيرة بمواقفها وقناعاتها وتاريخها النضالي مثل الصحفي المصري محمد حسنين هيكل مثلا الذي يملك القدرة على خلق "رأي عام" وتوجيهه. كما أن الإعلامي المغربي اليوم مطالب بتعميق معرفته من خلال الانفتاح على مختلف المجالات الفكرية والمعرفية خاصة تلك التي لها اتصال مباشر بأداء رسالته الإعلامية مثل النظريات والنظم السياسية وعلم الاجتماع ونظريات التواصل. وهو مدعو كذلك الى التمرس بطرائق التعبير وأشكال الصياغة لأن توصيل المضامين الإعلامية يتطلب إحاطة بوسائل الأداء اللغوي والأسلوبي؛ أي كل ما له علاقة بالصياغة التعبيرية المؤثرة. فما من شك أن امتلاك اللغة والكفاية التواصلية يمكنان الكاتب الصحفي من توصيل رأيه بطريقة ناجعة ومؤثرة. المضمون الجيد لا يكفي وحده بل ينبغي أن ينضاف إليه الأداء الجيد إذا أردنا أن نضمن لخطابنا الإعلامي الفعالية المطلوبة.
    بخصوص علاقة الثقافة المغربية بالثقافة المشرقية هناك مقولة متواترة عبر العصور مؤداها "أهل المشرق أهل إبداع، وأهل المغرب أهل فقه وهوامش" مما يفيد أن الإبداع الحق مصدره المشرق، في حين ينحصر دور المغاربة في الشرح والتعليق ووضع الهوامش. مع الاعتراف بدروه المهم في تمويل المشرق بالفقهاء والمتصوفة. من الواضح أن هذه المقولة في منطوقها، ومفهومها تسعى إلى أن تجعل المغرب تابعا إبداعيا للمشرق. وهو ما تختزله المقولة الذائعة الصيت "بضاعتنا ردت إلينا" التي قالها الصاحب بن عباد عندما وصله كتاب"العقد الفريد" لابن عبد ربه. لقد كان يتوقع أن يجد فيه تعريفا بأدب المغاربة فوجده يضج بأدب المشارقة. وفي ذلك توكيد للرأي الذي يقرر أصحابه أن المغاربة كانوا على الدوام مفتونين بالمشرق، ومأخوذين بإنتاجات أعلامه. وقد ألف عبد الله كنون كتابه "النبوغ المغربي" من أجل إبراز الإسهام المغربي في الادب العربي. ومن المعاصرين نجد أحمد المجاطي يكتب رسالته الجامعية "ظاهرة الشعر الحديث" دون أن يشير إلى نصوص الشعراء المغاربة ودورهم في تطوير القصيدة العربية الحداثية. وهو أمر من شأنه أن يثير كثيرا من الإرباك والإحرج بالنسبة إلى المبدعين والنقاد المغاربة؛ كيف لشاعر وباحث مغربي يقدم رسالة إلى جامعة مغربية، ويناقشها أساتذة جامعيون دون أن يشير لا من قريب، ولا من بعيد إلى المتن الشعري المغربي. وفي دراسة لمحمد برادة تناول فيها ملامح وتجليات الحداثة في الرواية استشهد فيه بعديد من الروايات المشرقية ولم يشر إلى أي رواية مغربية وهو ما يثير أكثر من سؤال حول موقف الناقد، والمثقف المغربي من الكتابات الإبداعية التي ينتجها المغاربة. هل يتعلق الأمر بازدواجية فكرية وإبداعية تجعل المثقف المغربي يخاصم المشرق من جهة ليغازله من جهة ثانية؟ هل هو الافتتان المغربي بالمشرق؟ هل هو الجحود المغربي يتجسد في التنكر لكل من ينبثق من تربة محلية؟ أم أن الأمر لا يعدو في نهاية المطاف محاولة تجنب الإحراج الذي يمكن أن تسببه المناولة النقدية لأعمال لم تنجح في فرض نفسها ،وإقناع الدارس بقيمتها الأدبية والجمالية؟  بعيدا عن "عقدة المشرق" أقول إن الأمر بالفعل ظاهرة تحتاج الى مزيد تحقيق، وتدقيق من أجل الوقوف على أسبابها وتحديد ملابساتها وروز نتائجها.
     ومن حسن الحظ أن الأمر في مجال النقد يختلف نوعا ما عن حال الإبداع؛ فقد استطاع النقاد المغاربة أن يراكموا إنجازات مهمة شكلت إضافة نوعية إلى الساحة النقدية المغربية والعربية. وهو واقع عززته شهادة بعض النقاد المشارقة البارزين أمثال جابر عصفور الذي خصص مقالا من كتابه "زمن الرواية" كما سبقت الإشارة لما أسماه "طفرة النقد المغربي"، اعتبر فيه أن  النقد في المغرب شهد طفرة نوعية في السنوات الأخيرة على مستوى المرتكزات النظرية والأسس التحليلية. وقد استدعت هذه الطفرة إعادة النظر في مسألة المركز، والأطراف بالنظر إلى ما تبوأه الإنجاز الثقافي المغربي من مكانة كبيرة في مساعي الحداثة العربية؛.  فقد برز النقاد المغاربة بشكل لافت في مجال  النقد الأدبي، حيث حققوا إنجازا مفهوميا، وتحليليا مهما أهلهم لأن يضحوا ريادات فكرية وثقافية تضيء المشهد النقدي المغربي والعربي . يشهد على ذلك عشرات الأسماء والرموز التي راكمت تجربة نقدية وازنة جعلت منها مرجعا في الدرسات الأدبية والنقدية؛ فقد انفتح النقاد المغاربة مبكرا على إنجازات النقد الغربي وتفاعلوا بشكل بناء مع منجزاته في مجال نظرية الأدب ونقد النصوص والخطابات خاصة الدراسات المكتوبة باللغة الفرنسية أو المنقولة إليها. وقد برزت أسماء عديد من المغاربة الذين شكلت أبحاثهم إضافات نوعية أغنت الساحة النقدية المغربية والعربية.
    يستدعي النجاح الذي حققه الدارسون المغاربة في مجال الدراسات النقدية إلى الذهن مسألة المنزع العقلي الذي ميز المثقفين المغاربة بشكل عام على نحو ما ذهبت إلى ذلك أطروحة الجابري الذي قرر وجود قطيعة فكرية على مستوى الفكر الفلسفي؛ مدرسة مغربية عقلانية مثلها ابن رشد وابن باجة وابن طفيل وابن حزم جسدت قطيعة مع الفلسفة المشرقية العرفانية، كما تجسدت في كتب ومقولات الشيخ الرئيس ابن سينا. وهي القراءة التي بسطها في كتابه الماتع "نحن والتراث" الذي يمكن اعتباره المدخل الحقيقي لمشروع عمره "نقد العقل العربي" الذي بسطه في كتاب من أربعة أجزاء. وبالرغم من القدرة الكبيرة التي تميزت بها أعمال الجابري في ما يخص عرض الرأي، والاستدلال عليه فإني أرى أن تقسيمه إلى مغرب عقلاني ومشرق عرفاني يحتاج إلى مزيد تدقيق. فلدى المغاربة إبداع لا يقل عن إبداع المشارقة، ولكنه يحتاج إلى من ينبري لاكتشافه والكشف عنه.




    الدكتور مصطفى الغرافي

    الدكتور مصطفى الغرافي باحث في البلاغة وتحليل الخطاب
    خاص بالمجلة
    ألف عبد الله كنون كتابه "النبوغ المغربي" من أجل إبراز الإسهام المغربي في الادب العربي .
    المشهد الإبداعي المغربي لا يبعث على الارتياح هذه الأيام حيث ترتفع أصوات المبدعين بالتذمر والشكوى من واقع ثقافي تخيم عليه مظاهر التراجع ويمكن تلخيص أزمة الابداع في تزايد العرض وضعف المقروئية. في الغرب احتفاء بالمعرفة وتشجيع للباحثين لا نجد لهما أثرا في واقعنا الثقافي. هناك تقاليد قرائية تجعل الإنسان الأروبي يقبل على التثقيف الذاتي من خلال قراءة الكتب والمجلات في المقهى والحدائق العامة ومحطات القطار مما يجعل فعل القراءة طقسا يوميا. أما عندنا فهناك تبخيس للكتاب الإبداعي الذي لا يقبل عليه أحد. ولذلك نجد بعض الكتاب الذين خاضوا مغامرة طبع كتبهم على نفقتهم الخاصة يحتفظون بها في بيوتهم أو يوزعونها بأنفسهم على المكتبات والأكشاك لكي تتعرض للتلف بسبب أشعة الشمس الحارقة أو أمطار الخير.
    بخصوص النقد يشهد المغرب ازدهارا نقديا ملحوظا ومشهودا. وقد أسهمت عوامل عديدة في تحقيق هذه النهضة النقدية أهمها انفتاح النقاد المغاربة على الثقافة الأوروبية في وقت مبكر الأمر الذي مكنهم من التعرف عن كثب على المناهج والاتجاهات التي كانت تمور بها الساحة النقدية الغربية. ينضاف إلى ذلك التحول الثقافي الذي عرفه المغرب منذ حصوله على الاستقلال إلى اليوم والمتمثل في تزايد عدد الجامعات مما أدى إلى ظهور أجيال جديدة من الباحثين والدارسين المتمرسين بقضايا النقد ومناهجه بعد التكوين الأكاديمي المتين الذي تلقوه على يد أساتذة أكفاء من جيل الرواد الذين سعوا إلى تطبيق المناهج الحديثة على نصوص عربية عديدة ومتنوعة بعدما أحاطوا بأسسها وتمثلوا أصولها. مما جعل جهود النقاد المغاربة تتبوأ مكانة رفيعة في المشهد النقدي العربي لما اتسمت به من جدة وطرافة. وقد شهد بهذا الازدهار النقدي في المغرب كثير من نقاد المشرق المتتبعين للحركة الثقافية في المغرب والمهتمين بما تعرفه من تطور وتحول في سياق الصيرورة التي تشهدها الثقافة العربية ككل. من هؤلاء جابر عصفور الذي خصص فصلا من كتابه "زمن الرواية" وسمه بـ "طفرة النقد المغربي" عرض فيه لمظاهر الازدهار النقدي في المغرب. وما من شك أن هذا الرأي يكشف أن إشعاع النقاد المغاربة وصل إلى عموم الوطن العربي. مما يعكس القيمة التجديدية للمنجز النقدي المغربي في نماذجه الناجحة والمشرقة.
    في مجال السرد يشهد المغرب حضورا  لافتا لهذا الجنس الأدبي  بمختلف تجلياته وتنويعاته ولا أدل على ذلك من أن كثيرا من المثقفين الذين عرفوا بالكتابة في مجالات معرفية وإبداعية بعيدة عن حقل السرد مثل الفلسفة والتاريخ لم يستطيعوا مقاومة فتنة السرد وغواية الرواية فكتبوا عديدا من النصوص السردية التي لقيت حفاوة كبيرة على مستوى التلقي والتداول على نحو ما تجسد في الأعمال الروائية التي كتبها عبد الله العروي وابن سالم حميش وأحمد التوفيق. بل إن بعض الشعراء انضموا إلى لائحة المفتونين بجنس الرواية مثل محمد الأشعري وحسن نجمي ومما أسهم في ازدهار السرد الروائي في المغرب الحفاوة منقطعة النظير التي لقيتها النصوص الروائية في محافل القراءة والتلقي، فهناك مواكبة نقدية حثيثة لما يصدر من قصص وروايات. فمن السهل أن يلحظ المتتبع أن الإنتاج السردي شكل المجال المفضل للتطبيقات النقدية المغربية. ولذلك نجد النظرية الأدبية الجديدة متطورة في حقل السرد أكثر منها في مجال الشعر. لأن أغلب النقاد الجدد في المغرب يبحثون في السرد ويطورون أدوات اشتغالهم في هذا المجال أكثر مما مما هو حاصل في الشعر. وهناك مؤشرات عديدة تثبت أن الرواية المغربية استطاعت أن تشق لنفسها مسارا خاصا على أرض الإبداع المغربي والعربي مما أكسبها فرادتها النوعية وخصوصيتها التعبيرية يشهد على ذلك أنها استطاعت أن تخلق لها جمهورا حقيقيا يظهر بشكل واضح في متابعات القراء ودراسات النقاد.
    فيما يخص المشهد الإعلامي المغربي يظهر من خلال استعراض أعمدة الرأي أن بعضها كان يحظى بمتابعة عالية وهو ما يظهر جليا من خلال نسبة المقروئية المرتفعة التي كان تحظى بها أعمدة الرأي التي كان يواظب على كتابتها كل من عبد الكريم غلاب "مع الشعب" و" عبد الرفيع الجواهري "نافذة" ومحمد الأشعري "عين العقل". لقد كانت كتاب هذه الأعمدة ينجحون في جذب انتباه القراء نظرا لما يطرحونه من قضايا لها ارتباط وثيق بحياة الناس ومشاغلهم. كما أن تمكن هؤلاء من وسائل الأداء جعلهم ينجحون في إقامة تواصل مؤثر وفعال مع قرائهم. فهؤلاء الثلاثة جاؤوا إلى الصحافة من بوابة الأدب وجميعهم يحترفون الكتابة الأدبية ويزاوجون بين الصحافة وممارسة جنس أدبي واحد أو أكثر. وهو ما مكنهم من اكتساب أدوات التعبير بطريقة تدفع القارئ إلى التفاعل مع المضامين الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تنطوي عليها كتاباتهم. يمكن أن يضاف لكل ذلك التزام كاتب الرأي تجاه قارئه مما يجعل القارئ يثق في آرائه ويتبع توجيهاته. أما في الوقت الراهن فقد تغيرت الأوضاع تماما خاصة بعد التطور الهائل الذي شهدته وسائط الاتصال الحديثة، مما نجم عنه ظهور الصحافة الالكترونية التي أصبحت تمثل منافسا قويا للصحافة المكتوبة. كما أنها أتاحت للأشخاص مساحة أكبر للتعبير عن الأفكار وتصريف القناعات من خلال التعليق المباشر على الأحداث والتفاعل معها. وربما يكون عمود رشيد نيني "شوف تشوف" حالة استثناء بين كتاب أعمدة الرأي في الصحافة المغربية حيث كان يحظى بنسبة متابعة عالية بالنظر الى القضايا السياسية والاجتماعية التي كان يثيرها ثم أسلوب الكتابة الذي يجمع بين اللغة المبسطة المطعمة بالدارجة وبين السخرية المحببة التي تفتح شهية قارئ الجرائد الذي هو "قارئ عام" في الأعم الأغلب. إن هجرة "الرأي" إلى المواقع الالكترونية (المدوّنات والمنتديات والمواقع الشخصية، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي) يجعلنا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهوم الكتابة الصحفية عموما والأدوات التي تعتمدها لتوصيل الفكرة والتعبير عن الرأي. لقد أصبح "الخبر" متاحا في المواقع الالكترونية وما نحتاجه هو "التحليل" و "التعليق" و"الرأي" بدل التركيز على "المعلومة". كما أن قارئ اليوم يفتقد الأسماء الإعلامية الكبيرة بمواقفها وقناعاتها وتاريخها النضالي مثل الصحفي المصري محمد حسنين هيكل مثلا الذي يملك القدرة على خلق "رأي عام" وتوجيهه. كما أن الإعلامي المغربي اليوم مطالب بتعميق معرفته من خلال الانفتاح على مختلف المجالات الفكرية والمعرفية خاصة تلك التي لها اتصال مباشر بأداء رسالته الإعلامية مثل النظريات والنظم السياسية وعلم الاجتماع ونظريات التواصل. وهو مدعو كذلك الى التمرس بطرائق التعبير وأشكال الصياغة لأن توصيل المضامين الإعلامية يتطلب إحاطة بوسائل الأداء اللغوي والأسلوبي؛ أي كل ما له علاقة بالصياغة التعبيرية المؤثرة. فما من شك أن امتلاك اللغة والكفاية التواصلية يمكنان الكاتب الصحفي من توصيل رأيه بطريقة ناجعة ومؤثرة. المضمون الجيد لا يكفي وحده بل ينبغي أن ينضاف إليه الأداء الجيد إذا أردنا أن نضمن لخطابنا الإعلامي الفعالية المطلوبة.
    بخصوص علاقة الثقافة المغربية بالثقافة المشرقية هناك مقولة متواترة عبر العصور مؤداها "أهل المشرق أهل إبداع، وأهل المغرب أهل فقه وهوامش" مما يفيد أن الإبداع الحق مصدره المشرق، في حين ينحصر دور المغاربة في الشرح والتعليق ووضع الهوامش. مع الاعتراف بدروه المهم في تمويل المشرق بالفقهاء والمتصوفة. من الواضح أن هذه المقولة في منطوقها، ومفهومها تسعى إلى أن تجعل المغرب تابعا إبداعيا للمشرق. وهو ما تختزله المقولة الذائعة الصيت "بضاعتنا ردت إلينا" التي قالها الصاحب بن عباد عندما وصله كتاب"العقد الفريد" لابن عبد ربه. لقد كان يتوقع أن يجد فيه تعريفا بأدب المغاربة فوجده يضج بأدب المشارقة. وفي ذلك توكيد للرأي الذي يقرر أصحابه أن المغاربة كانوا على الدوام مفتونين بالمشرق، ومأخوذين بإنتاجات أعلامه. وقد ألف عبد الله كنون كتابه "النبوغ المغربي" من أجل إبراز الإسهام المغربي في الادب العربي. ومن المعاصرين نجد أحمد المجاطي يكتب رسالته الجامعية "ظاهرة الشعر الحديث" دون أن يشير إلى نصوص الشعراء المغاربة ودورهم في تطوير القصيدة العربية الحداثية. وهو أمر من شأنه أن يثير كثيرا من الإرباك والإحرج بالنسبة إلى المبدعين والنقاد المغاربة؛ كيف لشاعر وباحث مغربي يقدم رسالة إلى جامعة مغربية، ويناقشها أساتذة جامعيون دون أن يشير لا من قريب، ولا من بعيد إلى المتن الشعري المغربي. وفي دراسة لمحمد برادة تناول فيها ملامح وتجليات الحداثة في الرواية استشهد فيه بعديد من الروايات المشرقية ولم يشر إلى أي رواية مغربية وهو ما يثير أكثر من سؤال حول موقف الناقد، والمثقف المغربي من الكتابات الإبداعية التي ينتجها المغاربة. هل يتعلق الأمر بازدواجية فكرية وإبداعية تجعل المثقف المغربي يخاصم المشرق من جهة ليغازله من جهة ثانية؟ هل هو الافتتان المغربي بالمشرق؟ هل هو الجحود المغربي يتجسد في التنكر لكل من ينبثق من تربة محلية؟ أم أن الأمر لا يعدو في نهاية المطاف محاولة تجنب الإحراج الذي يمكن أن تسببه المناولة النقدية لأعمال لم تنجح في فرض نفسها ،وإقناع الدارس بقيمتها الأدبية والجمالية؟  بعيدا عن "عقدة المشرق" أقول إن الأمر بالفعل ظاهرة تحتاج الى مزيد تحقيق، وتدقيق من أجل الوقوف على أسبابها وتحديد ملابساتها وروز نتائجها.
     ومن حسن الحظ أن الأمر في مجال النقد يختلف نوعا ما عن حال الإبداع؛ فقد استطاع النقاد المغاربة أن يراكموا إنجازات مهمة شكلت إضافة نوعية إلى الساحة النقدية المغربية والعربية. وهو واقع عززته شهادة بعض النقاد المشارقة البارزين أمثال جابر عصفور الذي خصص مقالا من كتابه "زمن الرواية" كما سبقت الإشارة لما أسماه "طفرة النقد المغربي"، اعتبر فيه أن  النقد في المغرب شهد طفرة نوعية في السنوات الأخيرة على مستوى المرتكزات النظرية والأسس التحليلية. وقد استدعت هذه الطفرة إعادة النظر في مسألة المركز، والأطراف بالنظر إلى ما تبوأه الإنجاز الثقافي المغربي من مكانة كبيرة في مساعي الحداثة العربية؛.  فقد برز النقاد المغاربة بشكل لافت في مجال  النقد الأدبي، حيث حققوا إنجازا مفهوميا، وتحليليا مهما أهلهم لأن يضحوا ريادات فكرية وثقافية تضيء المشهد النقدي المغربي والعربي . يشهد على ذلك عشرات الأسماء والرموز التي راكمت تجربة نقدية وازنة جعلت منها مرجعا في الدرسات الأدبية والنقدية؛ فقد انفتح النقاد المغاربة مبكرا على إنجازات النقد الغربي وتفاعلوا بشكل بناء مع منجزاته في مجال نظرية الأدب ونقد النصوص والخطابات خاصة الدراسات المكتوبة باللغة الفرنسية أو المنقولة إليها. وقد برزت أسماء عديد من المغاربة الذين شكلت أبحاثهم إضافات نوعية أغنت الساحة النقدية المغربية والعربية.
    يستدعي النجاح الذي حققه الدارسون المغاربة في مجال الدراسات النقدية إلى الذهن مسألة المنزع العقلي الذي ميز المثقفين المغاربة بشكل عام على نحو ما ذهبت إلى ذلك أطروحة الجابري الذي قرر وجود قطيعة فكرية على مستوى الفكر الفلسفي؛ مدرسة مغربية عقلانية مثلها ابن رشد وابن باجة وابن طفيل وابن حزم جسدت قطيعة مع الفلسفة المشرقية العرفانية، كما تجسدت في كتب ومقولات الشيخ الرئيس ابن سينا. وهي القراءة التي بسطها في كتابه الماتع "نحن والتراث" الذي يمكن اعتباره المدخل الحقيقي لمشروع عمره "نقد العقل العربي" الذي بسطه في كتاب من أربعة أجزاء. وبالرغم من القدرة الكبيرة التي تميزت بها أعمال الجابري في ما يخص عرض الرأي، والاستدلال عليه فإني أرى أن تقسيمه إلى مغرب عقلاني ومشرق عرفاني يحتاج إلى مزيد تدقيق. فلدى المغاربة إبداع لا يقل عن إبداع المشارقة، ولكنه يحتاج إلى من ينبري لاكتشافه والكشف عنه.




    نشر في : 11:46 ص |  من طرف ABDOUHAKKI
    الشاعرة مالكى العاصمي
    هناك أزمة في المعنيين بالثقافة اللذين لم يستطيعوا لحد الساعة أن يصوغوا سياسة ثقافية واضحة وشاملة قمينة بالخروج من الضبابية
    خاص بالمجلة
    بعد المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي إنعقدت فعالياتها يومي الجمعة والسبت 9 و10 يناير بمدينة طنجة تحت إشراف اتحاد كتاب المغرب والحضور اللافت والدال للعديد من الفاعليات الفكرية والثقافية كوزارة الثقافة وبين المعرض الدولي للكتاب لهذه السنة 2015 وبين غليان المشهد الثقافي المغربي بسبب تصاعد وتيرة إطلاق البيانات والإحتجاجات والخرجات الإعلامية والحوارات والمقالات لبعض المثقفين :
    1ــــ ماهوموقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
    _ أولا مؤسف جدا أن الإعلام لم يعط للمناسبات التي ذكرتها ما تستحقه من العناية، ولم يعرف بما فيه الكفاية بنتائج أعمالها، والمفروض أنه بذل في المناسبتين مجهود فكري مالي بشري كبير. الإعلام يخصص مجلات يومية وتغطيات واسعة لمهرجانات الغناء والسينما والرياضة وغير ذلك من الظواهر العجيبة، وينظم لقاءات وعروضا ويستدعي محللين ومعلقين وشراحا ومناقشين لمثل هذه المناسبات، ويستقبل الأقدام والأصوات والوجوه الجميلة في المطارات ويغطي إنجازاتها الوطنية الرائعة، ويدعو الشعب المغربي للخروج إلى الشوارع احتفاء واحتفالا بهذه الفتوحات الباهرة، ما لا يخصصه للمناسبات الثقافية التي تحدثت عنها ولا لغيرها. وللإعلام مفهومه المغاير للثقافة كما نلاحظ.
    وزارة الثقافة نفسها لا تمتلك وسائل التعريف بعملها، وبعمل الأجهزة الموازية التي تخدم الثقافة. ولا تمتلك الوسائل النشيطة للتواصل مع الشرائح الواسعة المعنية بالثقافة، ولا آليات تعبئتها لبناء مشروع حقيقي مبدع. ربما لكونها ورثت بنيات مهترئة ليست دائما مثقفة ولا خبيرة في المجال. وربما لكونها لا تملك الجرأة لمقاومة أوضاع كثيرة مختلة في هذا القطاع وتصحيحها رغم ما تتوفر عليه من إمكانيات وآليات. وربما لأن الثقافة ليست أولوية في سياسة الدولة، ومفهوم الدولة للثقافة محرف مغلوط، ونظرتها لمفهومنا نحن للثقافة نظرة تبخيسية دونية. أو ربما تعتبر وزارة الثقافة زائدة إلغاؤها لا يغير شيئا، مع أن الصراع العالمي اليوم هو صراع ثقافي دون هوادة. والمغرب لا يستثنى من هذا الحكم.
    هناك ثقافة عولمية متغولة جشعة، تنبني على المصلحة وتستهتر بالقيم، تسخر جميع الوسائل المادية والمعنوية والبشرية والتكنولوجية لمحو منافسيها، وتصل إلى القتل والإبادة والتدمير. وهي لا تريد ثقافة مقاومة تنشر السلام والتعاون والتضامن والمحبة والإبداع، فتعمل بكل الوسائل لاستقطاب الفاعلين لمشروعها وإغوائهم.
    هناك أزمة سياسية تقهر الثقافي لأنه يفضحها. وهناك أزمة في المعنيين بالثقافة اللذين لم يستطيعوا لحد الساعة أن يصوغوا سياسة ثقافية واضحة وشاملة قمينة بالخروج من الضبابية، ولم يعملوا على التعبئة لقضيتهم كي تتحول إلى قضية مركزية في الدولة.
    2ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهرالفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
    المشهد الثقافي مأزوم في العالم لأن هناك ثقافة فاسدة موازية تريد أن تهيمن، وتعمل جاهدة على ابتلاع ما يناقضها. العالم الجديد يعيش على الفساد والرشوة والتطاحنات في جميع قطاعاته، ويستصفي المواقع والمشاهد لمن يتلاءم مع هذا الوضع الجديد وينخرط في خدمته. بذلك يرفض الثقافة الحقيقية، لأن من خصوصيات الثقافة الحقيقية أنها حرة ترفض التلاؤم والاستعباد والسخرة، وتقدس الاستقلال والأمانة. والمغرب لا يخرج عن المناخ العالمي العولمي المتغول الذي يستهدف كل شيء ويدجن كل شيء نتيجة احتكاره للسلطة والمال والإعلام، وإصراره على احتكار الإبداع أيضا، بجميع معانيه، ليحافظ على الشعوب في وضعية الاستهلاك والابتزاز.
    مع ذلك ليس من حقنا أن نعلق أخطاءنا على الغير ونحن نتغنى بخصوصية المشهد المغربي، فضبابية المشهد الثقافي المغربي من ضبابية المثقفين وغياب الرؤية الواضحة لديهم. يقول المثل العربي: (كما تكونون يولى عليكم). والمثقفون بما هم عليه من حالة انعدام التوازن لا يستحقون أكثر مما هم عليه من تهميش وتبخيس، وأنا لا أعمم لأن الأمر هو أيضا كما قال المثل العربي: (من جعل الناس سوا، ليس لحمقه دوا). لكن المثقفين الحقيقيين مستضعفون أمام أباطرة الثقافة قياسا على أنواع الأباطرة المعروفين في هذا العصر، اللذين لهم مخالب وأنياب ينهشون بها، ولهم لوبيات وحواريون تسترزق من خدمتهم. لقد انخرطنا كثيرا وفرطنا كثيرا.
    لا يمكن إنتاج مشهد مغاير في ظل وضع كهذا، تحكمت وتتحكم فيه نزعات ونزوعات ذاتية ومصالح شخصية. وقد كان على المثقف أن يرأف بنفسه ويتعالى عن مصالحه الخاصة، لكي يستعيد كرامة الثقافة ومكانتها، ويفرض رؤيته الخاصة لهويته، ويثمن موقعه في المشهد العام.
    شخصيا أعتبر أن هناك مسؤوليات يجب تحديدها، ونقدا ذاتيا يجب أن نقوم به، واستعدادا جماعيا للخروج من هذا الوضع وتصحيحه يجب أن نتحلى به لإعادة بناء هذا الحقل على أسس سليمة، وتعبئة الجميع لإقلاع ثقافي حقيقي شامل. وأن علينا إذا اقتضى الأمر أن نفضح أباطرة الثقافة ونعريهم لنحد من هيمنتهم على المشهد. شعار محاربة الفساد مرفوع في المغرب ربما نحتاج إليه في الحقل الثقافي.
    البنيات الصغرى الأمية اليوم في الدواوير والمداشر تعرف حاجاتها وتهيئ لنفسها دفاتر مطلبية وتتعبأ للدفاع عنها، أحيانا بالنزول إلى الشارع والصمود فيه. القضايا التافهة التي لا تشكل هاجسا للمواطن المغربي تحشد الجماهير في الشارع وفي القاعات الكبرى وتجيش اللوبيات والقوانين والتشريعات، إلا الثقافة. لعل هناك من يشغلنا عن قضايانا الحقيقية ويلهينا بمشاكل مفتعلة
    3ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبار لدور الثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
     _ يجب أولا أن نثقف أنفسنا لنتمكن من بناء مشروع ثقافي مغربي سليم ومتين جدير ببلادنا، وليس مشروعا ذاتيا فئويا يستفيد منه صانعوه، فلا يصل إلى غايات خدمة الثقافة المغربية ووضعية المغرب. ويجب أن نتحلى بالشجاعة والقتالية لمواجهة كاميكازات التحريف وكاميكازات المصالح، ولمحاربة الفطريات التي نبتت في كل مكان، ولفضح الأموال المشبوهة ووقف تدفقها وتوسع مقتنياتها. ويجب أن نتحلى بالقناعة بما لدينا ولا نتشوف كثيرا. القيم والعلم، علم المعرفة وعلم الحياة، ثروة من لا ثروة له، ورأسمال من لا رأسمال له، لأنه رأسمال حقيقي ثابت، لا يزول كما يزول المال والجاه والمنصب.


    الشاعرة مالكى العاصمي

    الشاعرة مالكى العاصمي
    هناك أزمة في المعنيين بالثقافة اللذين لم يستطيعوا لحد الساعة أن يصوغوا سياسة ثقافية واضحة وشاملة قمينة بالخروج من الضبابية
    خاص بالمجلة
    بعد المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية التي إنعقدت فعالياتها يومي الجمعة والسبت 9 و10 يناير بمدينة طنجة تحت إشراف اتحاد كتاب المغرب والحضور اللافت والدال للعديد من الفاعليات الفكرية والثقافية كوزارة الثقافة وبين المعرض الدولي للكتاب لهذه السنة 2015 وبين غليان المشهد الثقافي المغربي بسبب تصاعد وتيرة إطلاق البيانات والإحتجاجات والخرجات الإعلامية والحوارات والمقالات لبعض المثقفين :
    1ــــ ماهوموقفك مما يكتنف المشهد الثقافي المغربي من ضبابية وغياب الرؤية الواضحة ؟
    _ أولا مؤسف جدا أن الإعلام لم يعط للمناسبات التي ذكرتها ما تستحقه من العناية، ولم يعرف بما فيه الكفاية بنتائج أعمالها، والمفروض أنه بذل في المناسبتين مجهود فكري مالي بشري كبير. الإعلام يخصص مجلات يومية وتغطيات واسعة لمهرجانات الغناء والسينما والرياضة وغير ذلك من الظواهر العجيبة، وينظم لقاءات وعروضا ويستدعي محللين ومعلقين وشراحا ومناقشين لمثل هذه المناسبات، ويستقبل الأقدام والأصوات والوجوه الجميلة في المطارات ويغطي إنجازاتها الوطنية الرائعة، ويدعو الشعب المغربي للخروج إلى الشوارع احتفاء واحتفالا بهذه الفتوحات الباهرة، ما لا يخصصه للمناسبات الثقافية التي تحدثت عنها ولا لغيرها. وللإعلام مفهومه المغاير للثقافة كما نلاحظ.
    وزارة الثقافة نفسها لا تمتلك وسائل التعريف بعملها، وبعمل الأجهزة الموازية التي تخدم الثقافة. ولا تمتلك الوسائل النشيطة للتواصل مع الشرائح الواسعة المعنية بالثقافة، ولا آليات تعبئتها لبناء مشروع حقيقي مبدع. ربما لكونها ورثت بنيات مهترئة ليست دائما مثقفة ولا خبيرة في المجال. وربما لكونها لا تملك الجرأة لمقاومة أوضاع كثيرة مختلة في هذا القطاع وتصحيحها رغم ما تتوفر عليه من إمكانيات وآليات. وربما لأن الثقافة ليست أولوية في سياسة الدولة، ومفهوم الدولة للثقافة محرف مغلوط، ونظرتها لمفهومنا نحن للثقافة نظرة تبخيسية دونية. أو ربما تعتبر وزارة الثقافة زائدة إلغاؤها لا يغير شيئا، مع أن الصراع العالمي اليوم هو صراع ثقافي دون هوادة. والمغرب لا يستثنى من هذا الحكم.
    هناك ثقافة عولمية متغولة جشعة، تنبني على المصلحة وتستهتر بالقيم، تسخر جميع الوسائل المادية والمعنوية والبشرية والتكنولوجية لمحو منافسيها، وتصل إلى القتل والإبادة والتدمير. وهي لا تريد ثقافة مقاومة تنشر السلام والتعاون والتضامن والمحبة والإبداع، فتعمل بكل الوسائل لاستقطاب الفاعلين لمشروعها وإغوائهم.
    هناك أزمة سياسية تقهر الثقافي لأنه يفضحها. وهناك أزمة في المعنيين بالثقافة اللذين لم يستطيعوا لحد الساعة أن يصوغوا سياسة ثقافية واضحة وشاملة قمينة بالخروج من الضبابية، ولم يعملوا على التعبئة لقضيتهم كي تتحول إلى قضية مركزية في الدولة.
    2ــــ أين يكمن الخلل في نظرك في السياسة الثقافية أم في إهتزاز قيم بعض المثقفين وبعض مظاهرالفساد الثقافي أم فيهما معا ؟
    المشهد الثقافي مأزوم في العالم لأن هناك ثقافة فاسدة موازية تريد أن تهيمن، وتعمل جاهدة على ابتلاع ما يناقضها. العالم الجديد يعيش على الفساد والرشوة والتطاحنات في جميع قطاعاته، ويستصفي المواقع والمشاهد لمن يتلاءم مع هذا الوضع الجديد وينخرط في خدمته. بذلك يرفض الثقافة الحقيقية، لأن من خصوصيات الثقافة الحقيقية أنها حرة ترفض التلاؤم والاستعباد والسخرة، وتقدس الاستقلال والأمانة. والمغرب لا يخرج عن المناخ العالمي العولمي المتغول الذي يستهدف كل شيء ويدجن كل شيء نتيجة احتكاره للسلطة والمال والإعلام، وإصراره على احتكار الإبداع أيضا، بجميع معانيه، ليحافظ على الشعوب في وضعية الاستهلاك والابتزاز.
    مع ذلك ليس من حقنا أن نعلق أخطاءنا على الغير ونحن نتغنى بخصوصية المشهد المغربي، فضبابية المشهد الثقافي المغربي من ضبابية المثقفين وغياب الرؤية الواضحة لديهم. يقول المثل العربي: (كما تكونون يولى عليكم). والمثقفون بما هم عليه من حالة انعدام التوازن لا يستحقون أكثر مما هم عليه من تهميش وتبخيس، وأنا لا أعمم لأن الأمر هو أيضا كما قال المثل العربي: (من جعل الناس سوا، ليس لحمقه دوا). لكن المثقفين الحقيقيين مستضعفون أمام أباطرة الثقافة قياسا على أنواع الأباطرة المعروفين في هذا العصر، اللذين لهم مخالب وأنياب ينهشون بها، ولهم لوبيات وحواريون تسترزق من خدمتهم. لقد انخرطنا كثيرا وفرطنا كثيرا.
    لا يمكن إنتاج مشهد مغاير في ظل وضع كهذا، تحكمت وتتحكم فيه نزعات ونزوعات ذاتية ومصالح شخصية. وقد كان على المثقف أن يرأف بنفسه ويتعالى عن مصالحه الخاصة، لكي يستعيد كرامة الثقافة ومكانتها، ويفرض رؤيته الخاصة لهويته، ويثمن موقعه في المشهد العام.
    شخصيا أعتبر أن هناك مسؤوليات يجب تحديدها، ونقدا ذاتيا يجب أن نقوم به، واستعدادا جماعيا للخروج من هذا الوضع وتصحيحه يجب أن نتحلى به لإعادة بناء هذا الحقل على أسس سليمة، وتعبئة الجميع لإقلاع ثقافي حقيقي شامل. وأن علينا إذا اقتضى الأمر أن نفضح أباطرة الثقافة ونعريهم لنحد من هيمنتهم على المشهد. شعار محاربة الفساد مرفوع في المغرب ربما نحتاج إليه في الحقل الثقافي.
    البنيات الصغرى الأمية اليوم في الدواوير والمداشر تعرف حاجاتها وتهيئ لنفسها دفاتر مطلبية وتتعبأ للدفاع عنها، أحيانا بالنزول إلى الشارع والصمود فيه. القضايا التافهة التي لا تشكل هاجسا للمواطن المغربي تحشد الجماهير في الشارع وفي القاعات الكبرى وتجيش اللوبيات والقوانين والتشريعات، إلا الثقافة. لعل هناك من يشغلنا عن قضايانا الحقيقية ويلهينا بمشاكل مفتعلة
    3ــــ ماهي في نظرك الحلول القمينة بإعادة الإعتبار لدور الثقافة والمثقف في المشاركة في بناء الثروة اللامادية للمغرب اليوم وغذا ؟
     _ يجب أولا أن نثقف أنفسنا لنتمكن من بناء مشروع ثقافي مغربي سليم ومتين جدير ببلادنا، وليس مشروعا ذاتيا فئويا يستفيد منه صانعوه، فلا يصل إلى غايات خدمة الثقافة المغربية ووضعية المغرب. ويجب أن نتحلى بالشجاعة والقتالية لمواجهة كاميكازات التحريف وكاميكازات المصالح، ولمحاربة الفطريات التي نبتت في كل مكان، ولفضح الأموال المشبوهة ووقف تدفقها وتوسع مقتنياتها. ويجب أن نتحلى بالقناعة بما لدينا ولا نتشوف كثيرا. القيم والعلم، علم المعرفة وعلم الحياة، ثروة من لا ثروة له، ورأسمال من لا رأسمال له، لأنه رأسمال حقيقي ثابت، لا يزول كما يزول المال والجاه والمنصب.


    نشر في : 2:55 ص |  من طرف ABDOUHAKKI

    اخبار الأدب والثقافة

    الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحريرــ الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحرير back to top