الأحد، 28 سبتمبر 2014

بصدد حكاية " استقالة المثقفين " :عبد الجليل طليمات

نشرت من طرف : ABDOUHAKKI  |  في  10:25 م

بصدد حكاية  " استقالة المثقفين "  :عبد الجليل طليمات
 خاص بالمجلة
شكلت النخب الفكرية  والعلمية والسياسية دوما قاطرة مسارات تطور المجتمعات البشرية  , ومحرك  ديناميات انتقالاتها من مرحلة إلى أخرى ضمن سياق سيرورات نمو مختلفة ومتنوعة . تصدق هذه البديهية على أثينا مهد " الحكمة والديمقراطية " , وعلى العصور الوسيطة ونخبها الفكرية والدينية التي أطرت فكر القرون الوسطى , كما تنطبق بشكل أكثر فعالية ونوعية على نخب " عصر الأنوار " و على نخب المجتمعات المعاصرة ,على اختلاف مسارات تطورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ..   
في مجتمعاتنا العربية , ذات النمو المعاق بسبب ظاهرة الاستعمار من جهة , ورسوخ  البنيات الذهنية والاجتماعية التقليدية من جهة أخرى , شكلت النخب الثقافية طليعة المواجهة والمقاومة  المزدوجة لهذا " الواقع المفوت " : للاحتلال,  وللاستبداد و الجهل والتخلف الفكري والدجل الديني .. وقد واصلت  النخب الثقافية العربية  هذا الدور الريادي والفاعل ثقافيا وسياسيا  بعد الإستقلالات الوطنية , رابطة في وحدة عضوية بين الفعل الثقافي المنتج للأفكار والمعرفة , وبين الفعل السياسي النضالي من أجل الحقوق الديمقراطية في التعبير والتمثيل والمشاركة , ولنا في  الإرث المعرفي والفكري للنهضويين العرب  من سلفيين تنويريين إصلاحيين وليبراليين وقوميين.. , وفي مواقفهم السياسية التي أطرت  حقبة طويلة النضال الوطني التحرري ضد المستعمر والنضال من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة ما يبين ويؤكد الحاجة الحيوية للنخب الثقافية في جميع  المحطات التاريخية  من تطور مجتمعاتنا . 
إن هذه الإشارات العامة التي تحيل على تجربة تاريخية طويلة ومريرة للنخب الثقافية في مجتمعاتنا , تضعنا أمام أسئلة  تتعلق براهن النخب الثقافية في هذه اللحظة التاريخية الصعبة والمعقدة التي تمر منها مجتمعاتنا العربية, والتي ارتفعت فيها أصوات عديدة إما تنعي دور المثقف , أ وتزعم  استقالته   وتخليه  عن الالتزام   برسالته وعن مسؤوليته في التغيير.
     إ ن هذا النقد القاسي للنخب الثقافية ينطلق من تمثل للمكانة التقليدية  للمثقف في المجتمع , كما  يستبطن نموذج  ذلك المثقف " التبشيري والرؤيوي  والطليعي ", الذي " يقوم بدور الهداية , والإرشاد , والخلاص , واجتراح الحلول السحرية لنوازل الدين والدنيا " ( نهاية الداعية _ عبد الإله بلقزيز   ص 171 ) , ومن هنا يطرح السؤال التالي نفسه على بساطته الظاهرية : من هو المثقف ؟   وما وظيفته التي تجعل منه مثقفا ؟  وهل التزام المثقفين  بقضايا مجتمعهم مطالب بأ ن يماثل يتماهى مع التزام الفاعل السياسي والحزبي ؟ أم  هو التزام ينبغي أن يكون من داخل حقل الثقافة لا من خارجه ؟ وهل بإمكان النخب الثقافية أن تؤطر الحركية المجتمعية المتطلعة إلى التغيير وتؤثر فيها  دون أن تنجز مهمتها في التحديث الثقافي والتنوير الفكري ؟   
إن الغاية من هذه الأسئلة هي التأكيد على ضرورة مقاربة منصفة لوضعية وحضور وأثر النخب الثقافية في وضعنا  الراهن الحافل بالتحديات الصعبة والرهانات المصيرية, وهي المقاربة التي تقتضي تشخيصا موضوعيا للمشهد الثقافي عموما, وللتحولات الذاتية والموضوعية التي طرأت على الجسم الثقافي وبالتحديد على مكانة المثقف ذاته .  وفي هذا الصدد يمكن تسجيل ما يلي من ملاحظات ومنطلقات أمست مدخلا لما أسميته بالمقاربة المنصفة لدور النخب الثقافية :
1 _ إن المكانة المعنوية والرمزية والاجتماعية  للمثقف في الوضع الراهن لمجتمعاتنا ليست هي ما كانت عليه إلى حدود العقود الأولى للاستقلالات الوطنية , فقد طرأت عليها تحولات موضوعية وذاتية تراجعت معها هذه  المكانة,   وبالتالي صورة المثقف داخل المجتمع  : فالنخب الثقافية  أدت ومازالت أثمان التدهور الكبير للوضع  الاجتماعي  والمادي  للطبقة الوسطى, كما عانت مرارة التهميش الإقصاء   والمس بحرية التفكير والتعبير بل , وبحياة الكثير منهم , ممن سجنوا أو اغتيلوا , وإضافة إلى كل ذلك شكل تطور الوسائط التقنية الجديدة للمعرفة والتواصل معطى نوعيا جديدا ساهم في تراجع الصورة السابقة للمثقف باعتباره منبع المعرفة ومالكها الوحيد.  
2
_  إن هذه التحولات الموضوعية والذاتية  ( كما هي موجزة ومكثفة  أعلاه ) التي لحقت بوضع وصورة المثقفين ,  تزامنت مع  ظهور وانتشار نمط جديد من" المثقفين" , يحتلون اليوم بشكل واسع مختلف الواجهات والفضاءات , خاصة منها القنوات الفضائية , تحت اسم " خبير" : إنه " المثقف الخبير " الذي يحمل أوراقه المحشوة بالمعطيات والمعلومات والأرقام وعشرات " السيناريوهات" الممكنة والمتخيلة.. يعرضها ببرودة وحيادية باسم " الموضوعية والعلمية " متجنبا إبداء رأي نقدي , أو اتخاذ موقف يفرض عليه تحمل ما قد يترتب عنه من مسؤولية.. وبذلك تفقد الثقافة عل يد " الخبير " مضمونها , وروحها النقدية , ووظيفتها الإستنهاضية والتنويرية للعقل والروح .  يختزل نمط " المثقف الخبير " بذلك, دور المثقف في إبداء المشورة لأصحاب القرار في مستويات متنوعة ولكل من يطلبها , وفي أي ظرف  .  إن  هؤلاء " الخبراء " المتزايد عددهم, بشكل طفيلي في غالبية الحالات, ظاهرة باتت تستقطب بشكل واسع فئات من الباحثين والأكاديميين..  وليس القصد هنا  تبخيس  أو تحقير دور الخبرة    وضرورتها العلمية والمعرفية , و إنما التحذير والتنبيه إلى منزلقاتها  , حيث أصبحت الخبرة  " عند نمط "المثقف الخبير" غاية في حد ذاتها, لا يؤطرها أي مشروع فكري نقدي  ملتزم , وإلى " جزيرة" تعزل المثقف عن الإلتزام بالقضايا الكبرى لمجتمعه بما يعنيه الالتزام هنا من شجاعة في الرأي والموقف, ومن مخاطرة وتضحية من أجل التنوير والتغيير المطلوبين ..   
3 _ إن المثقف باعتباره _ كما عرفه المفكر الراحل محمد أركون_ " ذاك الرجل الذي  يتمتع بروح مستقلة, محبة للاستكشاف والتحري , وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط .." (  الفكر الإسلامي : نقد واجتهاد ) ظل دائما حاضرا وفاعلا ومؤثرا _ وما زال_ , منذ الكندي والفارابي وابن رشد , مرورا بمحمد عبده وطه حسين والكواكبي والعقاد .. وصولا إلى أركون والعروي والجابري ومحمد طالبي وحامد أبو زيد .. الخ,: حاضرا كمنتج للمعرفة , بالحفر والتفكيك والتأويل  والتأصيل والنقد والاستشراف.. فتلك هي ا لخاصيات الجوهرية التي تجعل من المثقف مثقفا , وسيكون من باب الموضوعية والإنصاف الاعتراف بما راكمته الثقافة العربية المعاصرة أدبا وفكرا وفلسفة وفنونا في مجتمعاتنا على طريق التحديث الفكري والنهضة الثقافية .
 إن هذه الوظيفة المركزية للمثقف , والتي لها منطق اشتغالها الخاص, غير المرتبط بالمردودية  المباشرة ,  والذي له زمن غير زمن الفاعل السياسي , لم تغيب النخب الثقافية بالمطلق من ساحات المعارك السياسية والاجتماعية من أجل الخبز والحرية والديمقراطية , بل كان  المثقفون دائما في قلبها إما كمناضلين حزبيين ,أو من موقعهم الثقافي المستقل .   لقد عرفت ميادين التحرير في كل بلدان " الربيع العربي" حضورا  لا فتا للمثقفين من شعراء وفنانين ومفكرين , وعاش المثقف العربي مخاضات وتداعيات هذا الحراك  بالمتابعة التحليلية والنقدية  , وبالتشخيص الموضوعي لعوائق الإنتقال الديمقراطي و في مقدمتها مقاومة بنيات وقوى التقليد له  , ومنهم من أصدروا مؤلفات تلقي الضوء على الراهن العربي وتحدياته وآفاقه .. كما أصدر العشرات من المثقفين ببلدنا المغرب مثلا" بيانات" هي عبارة عن أرضيات فكرية تثير الأسئلة الحقيقية في موضوعات مصيرية , نذكر منها بيان حول الدستور الجديد والانتقال إلى الديمقراطية , وبيان من أجل وحدة اليسار , وبيان حول إصلاح المنظومة التربوية , و"بيان اللسان من أجل اللغة العربية "..   
 _4  إن معزوفة استقالة المثقفين , والتشكيك في جدوى النخب الثقافية بدعوى "أنها أخلفت الموعد مع هذه اللحظة التاريخية " هو حكم يصدر عن تمثل خاطئ لوظيفة المثقف وأدواره , حيث  يراد  منه   لعب دور ليس مندوبا له :  فليست مهمته قيادة الحشود إلى الميادين والساحات و وضع إشارات المرور للثورات حتى لا تنحرف عن مسارها  وتسقط في العفوية  , وإنما أساسا   " تفكير الثورة من الداخل "   وتعزيز مبادئها وقيمها البديلة واقتراح المداخل الممكنة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة : ديمقراطية وعقلانية ..الخ  . إن الالتزام السياسي والحزبي كحق من حقوق المثقف,  لا يمكن أن يعوض التزامه الجوهري داخل الحقل الثقافي كحقل لإنتاج المعرفة , وإنضاج شروط " الانتقال الثقافي " أي إنجاز الثورة الثقافية باعتبارها مقدمة ورافعة الثورة الاجتماعية والسياسية..           
5 _يمكنني القول أخيرا : على ا لرغم من كل التحولات الموضوعية والذاتية  المستجدة, بسلبياتها وإكراهاتها , فإن النخب الثقافية  لم تتوارى ولم تنسحب  أو تستقيل من مهامها  في إنتاج المعرفة والافكار , و لم تفك يوما ارتباطها بقضايا المجتمع كما يتبدى ذلك للبعض ,وإنما هي دوما  حاضرة ومنتجة ومنخرطة في الفعل السياسي والثقافي والحقوقي .
 إن  أي تقدم في اتجاه تحقيق التغيير المطلوب والمنشود سيظل رهينا بتقوية  دور النخب الثقافية في المجتمع, و بالاستمرار في مراكمة  المنجزات الفكرية  العقلانية والتنويرية في موضوعات كبرى ومصيرية , خاصة ما يتعلق منها بقضايا الهوية والحداثة والعلاقة مع قيم العصر الكونية , والإصلاح الديني  وغيرها من القضايا التي لا محيد عن مواصلة الإنتاج الفكري والثقافي عموما حولها , وذلك في أفق إنجاز القطيعة مع مختلف رواسب البنية الثقافية التقليدانية التي تتغذى منها النزعات والقوى  المحافظة والنكوصية.  ذلك هو ما سيحافظ  للنخب الثقافية على " هويتها الخاصة " كفاعل مجتمعي مركزي في أي مشروع للتقدم والنهضة , و يضمن لها, بالتالي استمرارية وهجها في المجتمع , وقيادة مخاضاته بالفكر والمعرفة ..
 لقد أنتج وراكم المفكرون العرب والمغاربة فكرا تنويريا تناول مختلف تلك القضايا المشار إليها , ليبقى السؤال الرئيس في نظري هو :   هل النخب السياسية مؤهلة اليوم لتكون حاملا و حاضنا  للمشروع الثقافي الحداثي العقلاني والديمقراطي ( الذي ما فتئت النخب الثقافية تجتهد وتؤلف من أجل تعميق التصورات له وتوضيحه )  ومترجما له في توجهاتها العامة وخطها السياسي   سؤال يحيلنا على  وضعية النخب السياسية وانفصال جلها عن الهم الثقافي .. و تلك معضلة أعظم تحتاج إلى أكثر من ملف...           

                                                                                                                                         

التسميات :

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

0 التعليقات:


اخبار الأدب والثقافة

الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحريرــ الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحرير back to top