الأحد، 28 سبتمبر 2014

سقوط مفهوم النخبة وإعلاء دورها! بقلم: السيد نجم

نشرت من طرف : ABDOUHAKKI  |  في  9:54 م

سقوط مفهوم النخبة وإعلاء دورها!
بقلم: السيد نجم
خاص بالمجلة
لا أدرى لماذا تذكرت كتاب "فن الرواية" ل"كولون ولسون" الذى اعتبر أن داروين وماركس وفرويد أهم ركائز الحضارة الغربية، ثم يتوقف مع الرواية تحديداً ويشير إلى أن تأثيرها كان أعظم، ومع ذلك فهى مهددة فى مصيرها ما بين الزوال والرواج، وما بين الشك والتشاؤم كانت صورة الروايات الأكثر رواجاً، وتلك التى خالفت الرواية الرائدة أو الكلاسيكية. وما يقال عن الرواية يمكن أن يقال عن الثقافة عموما، ومن ثم دور المثقف.
الملاحظ أن المثقف في العالم العربي، على الأقل خلال القرنين الماضيين، لم يكن معزولا عن العمل العام والحكومي أو السلطوي، منهم من كان سياسياً، أو رجل دين، أو أديباً، أو رجل علم.. حتى يمكننا أن نصفه أولا بصفته ثم نضيف إليها كلمتين (ومثقف واع).
لعله من اللافت للانتابه أن بعض رجال الدين قادوا الحركات التحررية والنزعات الإصلاحية.. "عبد الرحمن الكواكبي" صاحب كتاب "الاستبداد" عمل موظفا حكوميا (محافظ أو والى إقليم حلب)، يتبع السلطة في الشام، ومع ذلك يعد من المثقفين الرواد التنويريين.. ولسنا بصدد التقييم السياسي حين نقول "محمد بن عبد الوهاب" قاد حركة سياسية فاعلة على أرضه سياسيا، ويعد صاحب رؤية ثقافية.. وهناك "محمد عبده" الذى بدا مثقفا فقيها من خلال عمله كمفتى لمصر..
إلا أن الصورة الآن ومنذ الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، وإن تعاظمت في العقود الأخيرة، وكأن المثقف لم يعد يملك ما يعارضه بحدة أو بوضوح.. سقطت فكرة مواجهة المحتل الأجنبى، فى مقابل محاولات متعثرة وان بدت حاضرة من ظواهر انتشار التعليم ورواج مفاهيم الديمقراطية والحرية، بينما يغلب الفساد وظواهر التخلف الاقتصادى والاجتماعى، وينخر عظام المجتمع العربى.
نعم، لفد تضاءلت وخفتت الأهداف والشعارات الكبرى، أو الأهداف القومية، مثل "القومية العربية، والوحدة العربية".. كما انسحبت الممارسة الديمقراطية وارتدت ثوب مهلهل.. وجاء الجيل المثقف الآن الذي يقول بتسييس الأديان (مسلم ومسيحي).. وهناك ميلاد ملامح وضغوط النظام العالمي الجديد، حيث أكدت الرأسمالية على دور الفرد ولم يعد هناك بديلا عن هيمنة قطب عالمي وحيد "الولايات المتحدة الأمريكية"، بعد أن سقط الاتحاد السوفييتي..
لعل الإشارات السابقة، عنيت بالرؤية العامة، أما الرؤية الخاصة بكل مثقف "كفرد في مجتمع"، يمكن النظر إليه بالنظر إلى معاناة الفرد العادي واللهاث نحو لقمة العيش، والضيق بسبب هيمنة المؤسسات الحكومية الثقافية، التي تعتمد على فكرة التوازنات في أفضل أحوالها كرؤية سياسية، حتى إذا جاء مثقف بفكر خارج الجماعة، يعد من الشطط والإنحراف البياني. ربما حالة "د.نصر أبوزيد" صورة عملية (وإن إختلفنا معه في بعض ما إنتهى إليه، هذه قضية أخرى).
ما دور المثقف الآن إذن؟                                                                                     يبقى للمثقف الواعي دوره، على المستوى الفردي/ والجمعي. لعلني ممن يقتنعون بأساسيات نظرية "الإنتخاب الثقافي"، حيث يعرض صاحبها "أجنر فوج" أستاذ الانثروبولوجى في جامعة "كوبنهاجن"، التي تؤكد أن الثقافة يمكن أن تتطور في إتجاهات مختلفة تبعا لظروفها الحياتية أو المجتمعية.. وتتميز بقدرتها على تفسير السلوك العفوي أو اللاعقلاني الذي تزخر به كافة المجتمعات. كما تركز على أهمية تجارب الإنتخاب الصغرى وصراعات القوى والظواهر اللاعقلانية، ودورها في التطور الإجتماعي.
إن قيام المثقف بدوره التثقيفي مجردا وعن قناعة، كفيل أن يبدو بناءً على فكرة التراكم والتوليد أو التكاثر، أن يضع لبنة في بناء مجتمعي معقد، تنمو وتبرز الثقافة فيه من خلال: ظواهر يمكن أن تنتشر داخل المجتمع، مثل الشعيرة الدينية أو أسلوب في الفن أو حتى طريقة في الصيد. ذلك التراكم الذى يعتمد على ثلاث عمليات:                                                            أولا: أن تنشأ الظاهرة (وهى محاولات المثقف وتوجهاته)، وهو المعروف بالإبداع أو التجديد.. في كل مجالات الإبداع والتجديد.
ثانيا: ثم تأتى عملية إنتشار الظاهرة من فرد إلى آخر، أو من جماعة إلى أخرى، وهو ما يعرف بالنقل أو المحاكاة أو التكاثر.. وهو ما يلزم معه ضرورة إستمرار العملية الإبداعية/والتجديد، والاستفادة بمعطيات الثورة التكنولوجية الجديدة.
ثالثا: عملية الإنتخاب، والمقصود هو أي آلية أو عامل مؤثر في إنتشار الظاهرة من حيث الكثرة أو القلة.. وأكثرها شيوعا الإختيار الواعي من جانب البشر.. وهى نتيجة التفاعل.
وبتلك الآليات لن يشعر المثقف إذن بالضلال أو التيه، قدر المثقف أن يسعى،  فكل معطيات الإبداع والابتكار والفكر الجديد المتنور قادرة على التفاعل والتكاثر والنماء.. بشروط مجتمعية هامة: النهوض بالتعليم، وتوفير كافة السبل لتحقيق خطة المجتمع وطموحاته (والتجربة الكورية الجنوبية وماليزيا شاهد على ذلك).. وأيضا تفعيل معطيات ثورة الإتصالات والمعلوماتية في الأطر الصحيحة.. المناخ الديمقراطي القادر على تفعيل "الجمعيات الثقافية، والمؤسسات الثقافية الخاصة، ضمن منظمة مجتمعية تؤمن بالرأي والرأي الآخر".. وأخيرا "تسييس الثقافة" بمعنى إدراج برنامج ثقافي شامل للأحزاب والتجمعات السياسية، يرعى احتياجات المواطن من جهة، والبحث برؤية مستقبلية من جهة أخرى.
والآن ليس على المثقف خصوصا بعد سقوط مصطلح "النخبة" بعد شيوع التقنيات الرقمية، ليس عليه سوى المحاولة ومداومة العمل، مهما بدت الغيوم كثيفة!!
***********

Ab_negm2014@yahoo.com

التسميات :

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

0 التعليقات:


اخبار الأدب والثقافة

الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحريرــ الآراء الواردة في المقالات والبلاغات تعبرعن أصحابها وليس إدارة التحرير back to top